تدل العديد من الآيات الكريمة على وساطة الملائكة بين اللَّه تعالى وأنبيائه، وحملهم مسئولية تبليغ الرسالات إلى الأنبياء عليهم السلام، أو إبلاغهم بالبشارات أو النذر الصادرة إلى أممهم، أو تحذيرهم بنزول العقاب على تلك الأمم، أو تبليغ اللَّه تعالى لبعض عباده باختيارهم واصطفائهم أو لطفه بهم وتصبيره لهم على ما ينالون، وما تحمله هذه البلاغات من دلالات على وجود محاورات وتبادل للكلام، فقد عبّر عن ذلك كله بصيغ عديدة، منها ما هو مع الأنبياء عليهم السلام، ومنها ما هو مع غيرهم، ومن ذلك التبشير بالمنن والنعم الإلهية كتبشير إبراهيم عليه السلام، وزكريا عليه السلام بالولد بعد الكبر قال تعالى: قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الحجر: 53] ، وقال تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا .. ، وقال تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: 39 و45] .
والنزول على الأنبياء بالوحي والتبليغ عن اللَّه، قال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ... [النحل: 2] .
والاصطفاء للرسالة والوساطة بينه وبين أنبيائه قال تعالى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: 1] ، اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا .. [الحج: 75] .
ولا شك أن الوحي الخفي كان قامسا مشتركا في أكثر حالات التخاطب الموصوفة في القرآن بين الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - أو غيرهم من البشر المخاطبين كأمّ موسى - عليها السلام - ومريم والحواريين .. إلخ، ولكن هذه الحالات لم يعبّر عنها القرآن الكريم بصيغة الوحي دائما وإنما كان يعبر عنها - كما مر - بالقول والمناداة والإنزال والبشارة إلخ.
ولم يرد ذكر الوحي منسوبا إلى الملائكة وصادرا عنهم إلا في ما يلي:
1 -آية الشورى المبينة لطرق تكليمه تعالى، فكان الوحي بوساطتهم أحد تلك الطرق. قال تعالى: وما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ .. [الشورى: 51] .
2 -ما قاله بعض المفسرين بدلالة الآية الكريمة قوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ