وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ... [الحجر: 27] . ويتأكد هذا فيما احتج به هو نفسه على اللَّه سبحانه بأفضليته على آدم، قال تعالى: قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: 12] ، ورغم وضوح دلالة ظاهر الآية على أنه من الجن فقد اختلف المفسرون في حقيقة انتسابه على عدة آراء لا داعي للخوض فيها لخروجها عن موضوعنا.
يمكن إجمال ما تصفه الآيات القرآنية الكريمة العديدة من طبيعة عامة للوحي الشيطاني بما لخصه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - حين سئل عن الوحي في القرآن الكريم فعدد مصاديقه المختلفة ثم
قال عن وحي الشيطان: ومنه وحي كذب «1» واستشهد بالآية الكريمة قوله تعالى: ... شَياطِينَ الْإِنْسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ... [الأنعام: 112] .
وبالعودة إلى الآيات الكريمة نجدها غالبا تصف وحي الشيطان بهذا الطابع الذي تتلبس به مصاديقه المختلفة من وسوسة أو تزيين أو وعد أو تأميل .. إلخ.
والقرآن الكريم يميز الوحي الشيطاني بخصائص ينفرد بها تمثل ما يمكن أن يكون تصورا لطبيعته، وهذه الخصائص يمكن استجلاؤها من آيات الذكر الحكيم التي تناولت ذكر الشيطان وما يحيط به ويمكن إجمالها في:
1 -تلبس الشيطان بطبيعته العاصية فلا ينتسب وحيه إلى غيره، ولا تكون له أية صلة باللَّه تعالى، لأنه يقف في مقابل الوحي الإلهي ويتناقض معه، بل يمكن أن يقال إن وحيه تزييف للوحي الإلهي وخداع للإنسان لأن الوحي الإلهي إنما هو كلامه تعالى المنزّل على عباده من أنبياء أو غيرهم، قال تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... [النساء: 163] ، ومن ينزل به إليهم هو رسول منه تعالى ارتضاه ليبلّغ وحيه، وهذا الرسول ملك كريم، فما ينزل به من وحي هو: لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [التكوير: 19] ، فهذا الوحي بعيد عن متناول الشيطان لأن هذا الوحي نفسه نفى قطعا أية صلة بالشيطان، قال تعالى: وما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ [التكوير: 25] ، وما كان للشياطين أن يكون لهم من سبيل إلى أن
(1) الشريف المرتضى: رسالة في المحكم والمتشابه، (ص 21) .