إن هذا التعدد والسعة فيما يحمله الوحي من معان يجرّنا إلى البحث في أصله في اللغة العربية، فقد اختلف فيه أهل اللغة، قال الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة (ت 189 ه/ 805 م) فيما نقله عن ابن منظور «1» : أصل الوحي هو أن تكلمه بكلام تخفيه عن غيره. وتابعه الزجاج إبراهيم بن السري (ت 311 ه/ 923 م) في ذلك فقرّر أن أصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء، ومن هنا صار الإلهام وحيا «2» .
ويؤيّد ابن فارس ذلك فيقول: الوحي: كل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه «3» .
ونقل ابن سيده عن أبي عبيدة مثل ذلك «4» .
وقال ابن دريد: أصل الوحي: الكتابة في الحجر «5» .
ونحى الراغب نحوا آخر فقال: أصل الوحي الإشارة السريعة، فأمر وحي قد يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، أو بإشارة ببعض الجوارح، أو بالكتابة «6» .
وقد أجمل الشيخ مصطفى عبد الرازق البحث حول أصل الوحي في اللغة في أربعة آراء «7» :
أولها: أن أصل الوحي في اللغة كلها إسرار وإعلام في خفاء، وهو رأي الزجاج ومن تبعه عليه.
ثانيها: أن اشتقاق الوحي بمعنى الإلهام من الوحي بمعنى السرعة، لأن الوحي يجيء بسرعة ويتلقى بسرعة، وهو رأي الراغب الأصفهاني، وأيده ابن خلدون والقاضي عياض.
ثالثها: أن أصل المادة السرعة والخفاء معا، فالوحي: الإعلام السريع الخفي، وأيّده ابن قيم الجوزية وأبو البقاء في (الكليّات) .
رابعها: أن أصل المادة هو إلقاء الشيء إلى الغير ... وهو رأي الطبري.
(1) لسان العرب (15/ 380) .
(2) تهذيب اللغة (5/ 296) .
(3) مقاييس اللغة (6/ 93) .
(4) المخصص (4/ 3) .
(5) جمهرة اللغة (1/ 172) .
(6) الراغب: المفردات (ص 515) .
(7) الدين والوحي والإسلام (ص 46) ، دار إحياء الكتب العربية - مصر (1364 ه/ 1945 م) .