وقد قيل تفريقا عن شيطان الإنس، إن شيطان الجن يوسوس ولا تراه معاينة «1» .
بعدّ شيطان الإنس الكفار ومن إليهم.
وعن قتادة أنه قال: «و اللَّه إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المئونة إلا من عصم اللَّه» «2» .
ترد هنا نقطة مهمة لا بدّ من جلائها وهي أن حال الأنبياء عليهم السلام في تأثير الشيطان وإلقائه مختلف عن حال سائر البشر في مدى قوة هذا التأثير ونوعه ومجاله الذي يبرز فيه.
فالأنبياء عليهم السلام معصومون تجاه تأثير الشيطان في وحيه ووسوسته لأن نفوسهم الطاهرة لا سبيل لنجاح إلقاءات الشيطان إليها، لأنه تعالى يهديهم ويلطف بهم فيدفع عنهم تلك الإلقاءات.
وإن تمكينهم من رؤية الشيطان من المصاديق المهمة على عصمتهم هذه، فإن اللَّه تعالى تحدّى الشيطان في أن يكون له سلطان على عباده المخلصين، قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ[الحجر:
42]، ولا شك أن الأنبياء أولى من سائر العباد في انتفاء سلطان الشيطان عليهم، سواء كان ذلك السلطان على ما يلقى إليهم من وحي لتبليغه للعباد، أو السلطان في توجيه أفعالهم وإزلالهم وصدّهم عن السبيل، ولا يمكن القول غير هذا في حق من أرسلهم تعالى لهداية البشر وليكون ما يبلّغوه عن اللَّه إلى العباد في مقابل ما يلقيه الشيطان ويدعوهم إليه.
فإذا جوّز أن يلقي الشيطان حتى إلى هؤلاء الرسل، بل ويعبث في الرسالات التي يبلغونها ويفسد فيها بما يلقيه، أصبحت الرسالة كلها مهددة والثقة بصدورها عنه تعالى احتمالية وهو ما يتناقض مع أسس العقيدة والتشريع.
ومن هنا تصبح الروايات التي ترد بما يشير إلى إلقاء الشيطان وتدخله في
(1) الطبري: جامع البيان (30/ 229) .
(2) مجمع البيان (8/ 409) .