فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 276

العالم من خلال اتصالها بقوى غير منظورة تنتمي إلى عالم مختلف، ولم تكن مجرد دعوات تغييرية وتشريع جديد ينسخ ما قبله، فثبت لدينا أن هؤلاء الأنبياء (عرفوا ما لم يعرف بقية البشر بطاقة خفية لا تمت إلى المعارف السائدة بسبب وبالتالي لا سبيل إلى العقل البشري لإدراكها) «1» .

ثانيا - صلته بالغيب:

مثلما يمثل الوحي بذاته ظاهرة خفية في ماهيتها، فإن معارفه التي جاء بها مما لم يكن للبشر سابق معرفة به.

والغيب: ذهاب الشيء عن الحس، ومنه عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ[الرعد:

9]، أي عالم بما غاب عن الحواس وبما حضرها «2» . ويضيف الراغب الأصفهاني إلى هذا التعريف بعدا آخرا، إذ الغيب عنده (ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بدائه العقول وإنما يعلم بخبر الأنبياء) «3» . فمعارفه غائبة عن الحس البشري المحدود المقيّد، فهو غيب بالنسبة إلى الإنسان إذ (يقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس لا باللَّه تعالى فإنه لا يغيب عنه شيء) «3» ، قال تعالى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الْأَرْضِ [سبأ: 3] ، وقال تعالى: وما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ والْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [النمل: 75] ، وقال تعالى: ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والْأَرْضِ وإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: 123] .

وأما ما يشتمل عليه إطلاق لفظ الغيب مما لا يقع عليه الحس فهو (اللَّه سبحانه وتعالى وآياته الكبرى الغائبة عن حواسنا ومنها الوحي) «5» .

والإيمان بالوحي وإثباته معتمد أساسا ومستلزم للإيمان بالغيب وإثباته، لأن إنكار الغيب (و بضمنه وجوده تعالى) هدم لأهم أسس العقيدة، وبه يقع على الإنسان اسم الإلحاد «6» .

فالإيمان بالغيب أصل من أصول الإيمان، وبإضافة الإيمان بالوحي (النبوة)

(1) انظر أحمد حسين: محمد رسول اللَّه نبي الإنسانية (ص 67) ، دار الشروق - بيروت ط 1، (1400 ه/ 1980 م) .

(2) انظر الطوسي: التبيان (6/ 201) .

(3) المفردات (ص 366) .

(5) الطباطبائي: الميزان (1/ 45) .

(6) الراغب: المفردات (ص 366) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت