بعد هذه الرحلة الطويلة في عالم الوحي وإشباعه بحثا من حيثيات وزوايا متعددة، ومحاولة استقصاء عناصره ومفاهيمه وأشكاله ودلالاته في القرآن الكريم والفكر الإسلامي باتجاهاته المختلفة مع نظرة مجملة إلى الفهم الإنساني العام له من خلال اللغات والأمم والأديان تبلورت أمامنا جملة أمور تمثّل نتائج يمكن استخلاصها وتكوين تصور عام للوحي في القرآن والفكر الإسلامي من خلالها، وإجمال هذه النتائج كالآتي:
1 -إن الوحي في اللغة العربية يرجع إلى أصول متعددة من حيث البناء اللفظي تتسق معه من بعض الوجوه العناصر المعنوية للوحي مستخلصة من جملة مظاهر تراءت أمام العقل العربي وتوافرت عليها بيئته الفكرية، وتمثلت تلك العناصر في بعديها اللغوي والمعنوي في الإلقاء في خفاء والسرعة والكتابة والصوت .. إلخ وفي كل من هذه الأصول وما يقرب منها نجد جذبة من الارتباط مع عناصر الوحي بمفهومه الديني (الإسلامي) الذي تبلور بعد نزول الوحي على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ووجدنا القرآن الكريم في استعماله لفظ الوحي قد انطلق به إلى آفاق جديدة وأشرق عليه بمفاهيم ما كان العقل العربي ليدركها أو يتصور وجودها بهذا العمق، فأضفى القرآن الكريم صورا ومفاهيما وحالات من أدق وأخفى ما يمكن للغة أن تستوعبه متمثّلا في ظاهرة الوحي التي صوّرها القرآن الكريم طريقا للصلة بينه تعالى وبين عباده ومخلوقاته، وأخذت فيما بعد معناها الخاص بما يكون إلقاؤه من اللَّه تعالى لأنبيائه.
2 -إننا نجد مفهوم الوحي يضرب جذوره في التاريخ الإنساني في صور واعتقادات تعارف عليها الإنسان في الأمم والأديان القديمة والحضارات السالفة تمثلت عند الإنسان البدائي بوجود كائنات غيبية ذات قدرات خارقة تتصل به وتملي عليه، وأخذ عند الإنسان المتحضر والمفاهيم الدينية بعده القدسي من خلال