وإعلام ووصية تدخل جميعا ضمن وظيفة النبوة، ويكون تبليغها بلا شك بطريقة من طرق الوحي الخفي.
لم يرد ذكر التفهيم بوصفه من أشكال الوحي للأنبياء عليهم السلام إلا إلى سليمان عليه السلام، وذلك في قضية الحرث، قال تعالى: وداوُدَ وسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ [تسربت] فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا .. [الأنبياء: 78 - 79] .
والفهم: هيئة في الإنسان بها يتحقق معاني ما يحسن، وأفهمته إذا قلت له حتى تصوره «1» .
وهو عند ابن قيم الجوزية أحد مراتب الهداية العشر وعرفه بأنه: (نعمة من اللَّه ونور يقذفه في قلبه(المفهم) ، يعرف به ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره مع استوائهما في حفظه وفي أصل معناه) «2» .
ومما يؤكد هذا المعنى في رأي ابن القيم ما نقله من الرواية عن الإمام علي عليه السلام أنه سئل: (هل خصكم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بشيء دون الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه اللَّه عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة) «2» .
وقد استفاد بعض المفسرين أن ما كان من حكم لسليمان وداود في حادثة الحرث كان بوحي من اللَّه تعالى إلى كل منهما، ولكن ما أوحي إلى سليمان - وعبر عنه بالتفهيم - نسخ ما أوحي إلى داود «4» .
والجبائي يؤيد هذا الرأي ويستبعد ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن حكم سليمان عليه السلام كان عن اجتهاد، وأنه اجتهد في حكمه في القضية، وجزم أن ذلك الحكم كان (وحيا نسخ به حكم داود الذي كان يحكم به ولم يكن اجتهادا) «5» .
(1) الراغب: المفردات (ص 386) .
(2) مدارج السالكين (1/ 41) .
(4) انظر القرطبي: جامع أحكام القرآن (11/ 308) .
(5) الطوسي: التبيان (7/ 237) .