فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 276

أولا - الوحي والغيب:

يكاد يقتصر العلم النبوي مطلقا عند الصوفية على طريق الوحي الإلهي بوصفه مصدرا وحيدا للمعرفة عند النبي، مبعدين أية احتمالات لعناصر النظر والاستدلال نافين أن يكون لها دور في هذا العلم، وأساس هذا الحصر يقوم على حكم الصوفية بقصور العقل عن الإدراك الحقيقي. ويقرر ابن عربي، محيي الدين محمد بن علي الحاتمي الطائي (ت 638 ه/ 1240 م) هذا الأساس بقوله: (إن الأنبياء لا تأخذ علومها إلا من الوحي الخاص الإلهي، فقلوبهم ساذجة عن النظر العقلي لعلمهم بقصور العقل من حيث نظره الفكري عن إدراك الأمور على ما هي عليه) «1» .

فخاصية النبوة أن علمها هو علم الوحي، وهو العلم الذي يعبر الصوفية عنه دائما (بالعلم الظاهر) الذي يمثل عندهم أشرف مرتبة بين جميع علوم الخلائق (لأن محصوله عن اللَّه تعالى بلا واسطة، وهو إرث خاص بالأنبياء والرسل، وقد انغلق بابه بخاتمهم محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم) «2» .

وكما ربط الفكر الإسلامي بين الوحي والغيب وجعل هذا الوحي هو المصدر الأول لاطّلاع البشر على الغيب، فإن الغيب يمثل عند الصوفية أيضا نفس الأهمية إن لم يفق ما يمثله عند غيرهم، إذ تقوم نظرية المعرفة عندهم أساسا على إمكانية انكشاف الغيب للأولياء مثلما ينكشف للأنبياء مع خصوصية منصب النبوة حيث كان فيه الكشف التام الخاص الأعلى مرتبة كما يرى الجنيد، أبو القاسم بن محمد الخزاز (ت 297 ه/ 909 م) إذ يقول: (كشف اللَّه تعالى لكل نبي طرفا من الغيب،

(1) فصوص الحكم (1/ 133) .

(2) انظر رسائل الإمام الغزالي (3/ 105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت