توطئة:
بالرغم من أن الفلسفة عموما تحاول أن تنهج منهجا عقليا بحتا في تناولها للأشياء وأن تنطلق من منطلقات تبتعد عن تأثير الدين الذي تبتدئ منه وتعتمد عليه خطوات الاتجاهات الفكرية الأخرى وتجعله أساسا لبنائها الفكري، بالرغم من ذلك فإن الفلسفة الإسلامية اختطّت لنفسها منهجا متميزا تبلورت فيه محاولات التوفيق بين الاتجاه العقلي الذي هو منهجها، والمفاهيم العقائدية التي ينبثق هذا الاتجاه منها في الوسط الذي تعمل فيه.
فالفلسفة الإسلامية حاولت على الدوام التوافق مع الدين، وسعت غالبا إلى إثبات عدم مخالفة العقل (الفلسفة) للوحي - بمعنى ما يأتي به من عقائد وتشريع - وهكذا اصطبغت الفلسفة الإسلامية بصبغة بيئتها وسماتها، فعادت (فلسفة دينية روحية) «1» .
وبهذا النهج حاولت الفلسفة الإسلامية الاقتراب كلما أمكنها ذلك من المفاهيم الدينية في الأصول المختلفة للعقيدة الإسلامية، وحاولت فيما اختلفت فيه مع تلك المفاهيم أن تجد لها تأويلات تتشبث بها لتبعد عن نفسها تهم الخروج عن إطار الدين الإسلامي مما قد يلصقه بها علماء الدين وهو ما حدث أحيانا كثيرة.
وما يهمنا في هذا المبحث تكوين تصور عن الوحي عند الفلاسفة من حيث كونه ظاهرة تمثل اتصالا بعالم الغيب وبالتالي صلة بين اللَّه تعالى وعباده، وما يتصل بذلك من مفاهيم وتحديدات ومصاديق تحيط بهذا الوحي.
وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى ملاحظة هامة وهي: أن هذا التصور للوحي
(1) إبراهيم مذكور: في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق (ص 19) .