فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 276

وقد تطرق الإمام محمد عبده إلى إمكان وقوع الاطّلاع على الغيب والتحديث لبعض النفوس العالية فيما يمثّل تفسيرا لظاهرة التحديث، إذ يقول في ذلك: أما أرباب النفوس العالية والعقول السامية من العرفاء ممن لم تدن مراتبهم من مراتب الأنبياء ... فكثير منهم نال حظه من الأنس بما يقارب تلك الحال [أي حال تلقّي الأنبياء للوحي والاطّلاع على الغيب] في النوع أو الجنس، لهم مشارفة في بعض أحوالهم على شيء من عالم الغيب ولهم مشاهد صحيحة في عالم المثال لا تنكر عليهم لتحقق حقائقها في الواقع ... «1» .

وقد جعل علامة صحة ما يتحدث به هؤلاء ما اقترب فيه مع ابن تيمية حيث أن علاماتهم عنده (ظهور الأثر الصالح منهم، وسلامة أعمالهم مما يخالف شرائع أنبيائهم، وطهارة فطرهم مما ينكره العقل الصحيح أو يمجّه الذوق السليم) «1» .

ويرى السيد الطباطبائي أن علامة التحديث ومعرفة المحدّث أن ما يحدّث به عن الملائكة، أن المحدّث يعلم ذلك (بتأييد من اللَّه تعالى وتسديد [و أنه يعطى] السكينة والوقار) «3» كما جاءت بذلك الروايات ومنها ..

ما رواه محمد بن مسلم قال: ذكر المحدّث عند أبي عبد اللَّه عليه السلام فقال: إنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص، فقلت: جعلت فداك كيف يعلم أنه كلام الملك؟ قال: إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام الملك «4» .

ومن خلال النظر في العناصر التي يقول بها الاتجاهان المختلفان في التحديث لا نجد بينهما اختلافا إلا ما كان في طريقة التعبير، إذ يصب فهم كل منهما له في مجرى واحد ويجمع بين قوليهما إن التحديث نوع من المعرفة الإلهامية تشترك مع الوحي في مصدرها من كونها من اللَّه تعالى، وفي بعض العناصر في طريقة تلقيها كالخفاء في الإلقاء والخفاء عن غير المحدّث.

ولا شك أن التحديث بهذه الحدود والعناصر إنما يمثل شكلا من أشكال الوحي بمعناه العام وفي حدود المعاني اللغوية بالذات، ويتسق هذا مع إطلاق الوحي في القرآن الكريم على ما كان لغير الأنبياء كالحواريين وأم موسى وغيرهم.

(1) الأعمال الكاملة (3/ 418) الإصلاح الفكري والتربوي والإلهيات.

(3) الميزان (3/ 220) .

(4) الكليني: الكافي (الأصول) (1/ 271) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت