إمام دون آخر،
ففي رواية عن سليم بن قيس الهلالي أنه سمع الإمام علي عليه السلام يقول: (إني وأوصيائي من ولدي أئمة مهتدون كلنا محدّثون) «1» .
وكون الإمام يسمع كلام الملك يرى الشيخ المفيد جوازه من جهة العقل وعدم امتناعه وكونه في الأئمة أو غيرهم، وهذا كما يشير هو مذهب الإمامية عموما عدا بني نوبخت «2» .
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن هذا السماع الذي يقال به للإمام لا يراد به كما يرى السيد الطباطبائي سماع الحسّ، أي أن يسمع صوت الملك كما يسمع بعضنا صوت بعض وإنما المراد به عنده سماع القلب، وإن ذلك على سبيل الخطور الذهني الذي لا يسمى سماع صوت إلّا بنحو من المجاز البعيد.
فهذا التحديث هو أمر قلبي لأن المحدّث يسمع صوت الملك ويعيه سمع القلب دون الحس لا يشاركه فيما يسمعه من كلام الملك غيره «3» .
ومما يستدل به على التحديث ما
روي أنه صلّى اللَّه عليه وسلم قال: «كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب منهم» «4» .
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه المرتبة وإن وجدت في الأمم السابقة فإن الحاجة إليها في الإسلام منتفية، واستفاد من وجود (إن) الشرطية في الرواية السابقة عن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم الدلالة على ذلك وأن وجودهم في تلك الأمم قبلنا لاحتياجهم لهم، أما هذه الأمة فإنها كما يرى استغنت عنهم وذلك (بكمال نبيها ورسالته فلم يحوج اللَّه الأمة بعده إلى محدّث ولا ملهم ولا صاحب كشف ولا منام) «5» . ويرى أن هذا التعليق لوجودهم سبب لكمال الأمة لا نقصها.
وهو يرى أن المحدّث إن وجد فإن عليه رقيبا، واشترط عدم مخالفة ما حدّث به مع ما جاء به الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم، واستدل على أن محدّث هذه الأمة الذي قالت به الرواية عن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم وهو الخليفة عمر بن الخطاب - رضي اللَّه عنه - (ت 23 ه/ 644 م) كان يعرض ما يحدّث به على ما جاء به الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم، فإذا وافقه قبله وإلا ردّه) «5» .
(1) الاختصاص (ص 329) .
(2) المفيد: أوائل المقالات (ص 84) .
(3) الميزان (3/ 220) .
(4) انظر صحيح البخاري: باب فضائل أصحاب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم الحديث/ 6/، ابن تيمية: الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص 251) .
(5) انظر ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين (1/ 39 - 40) .