فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 276

وهو توكيد لفظي مؤكد لحدوث الفعل، إضافة إلى أنه مفيد لتحقيق النسبة ورفع توهم المجاز، قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل للإنسان كلاما بأي طريق وصل ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام «1» .

كما أن هذا التحديد والتوكيد مبعد لاحتمالات أن يكون الكلام بالإلهام أو الإشارة أو القذف في الروع أو أي شيء غير التكليم، فنص الآية واضح الدلالة على أن المراد (أن هذا الكلام هو من جنس الكلام المعقول لدينا الذي يشتق من التكلم، على خلاف ما قال به بعض المفسرين والمتكلمين «2» ، وكون التكليم من وراء حجاب من جنس الكلام المعقول لدينا، لا يقصد به أنه من نوع كلامنا، وإنما هو تكليم على نحو خاص، لأن الكلام لا يصدر عنه تعالى عن حد ما يصدر منا، بخروج الصوت من الحنجرة واعتماده على مقاطع النفس مع ما ينظم إليه من دلالة اعتبارية وضعية متعارف عليها، وذلك لأنه تعالى غني عن ذلك، فهو أجلّ شأنا وأنزه ساحة من أن يتجهز بالتجهيزات الجسمانية أو يستكمل بالدعاوى الوهمية الاعتبارية) «3» .

قال تعالى: .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ .. [الشورى: 11] .

وقد أكد الإمام علي عليه السلام هذا المعنى في

قوله: (لا يشبه شيء من كلامه تعالى كلام البشر، فكلام اللَّه تبارك وتعالى صفته، وكلام البشر أفعالهم، فلا تشبه كلام اللَّه بكلام البشر فتهلك وتضل) «4» .

أما الحجاب الذي يكون التكليم من ورائه، فيكاد يكون أهم أسباب الخلاف في مسائل التجسيم والرؤية، وتكاد الآراء فيه تتبلور في ما يلي:

1 -من المفسرين من ذهب إلى أن المراد بالحجاب في الآية أن يكون الكلام مخصوصا بالمكلم وحده، ومحجوبا عن غيره.

قال السدي: (من وراء حجاب) ، أن يحجبه عن إدراك جميع الخلق، إلا عن المكلّم الذي يسمعه «5» . وأيد الجبائي ذلك، واستدل عليه بتكليم موسى عليه

(1) انظر ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين (1/ 37) .

(2) انظر التبيان (3/ 394) .

(3) الطباطبائي: الميزان (2/ 331) .

(4) انظر الصدوق: التوحيد (ص 264) .

(5) التبيان (9/ 177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت