فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 276

والرؤيا من أشكال الوحي المستمرة بعد انقطاع وحي النبوة، فهي منفذ باق إلى عالم الغيب وإن افترقت رؤيا غير الأنبياء عن رؤاهم عليهم السلام.

عن عطاء بن يسار أن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات. فقالوا: وما المبشرات يا رسول اللَّه؟ فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» «1» .

وهذه الرؤيا هي ما فسر به الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم قوله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ... [يونس: 64]

فعن أبي الدرداء وأبي هريرة وعبادة بن الصامت أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال حين سئل عن البشرى في الآية: «هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» «2» .

ويذهب بعض المفسرين إلى أن نسبة ما يطّلع عليه من الغيب في الرؤيا تقوى باستمرارية تقدم الزمان وابتعاد عهد النبوة، ويعلل ذلك في نور النبوة في عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ما يغني عن الرؤيا في اطّلاع الناس على الغيبيات، لذلك فكلما ابتعد عهد النبوة اشتدت الحاجة إلى مصدر آخر للاطّلاع على الغيب، (فيتعوض المؤمنون بالرؤيا) «3» .

الصورة الثانية: الوحي بواسطة الملك:

يستفاد من مجموعة الآيات الكريمة التي تتطرق إلى نزول القرآن الكريم كقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ .. [الشعراء: 193] ، وقوله تعالى: .. مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ .. [البقرة: 97] وقوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: 19 - 20] يستفاد أن القرآن الكريم أوحي جميعه بهذه الصورة المعبّر عنها بإرسال الرسول الملكي جبريل عليه السلام إليه ونزوله عليه بالوحي، مما يؤكد أن هذا الوحي تمثلت فيه خصوصية الوحي من طريق التكليم والخطاب الشفوي من قبل الملك إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ناقلا إليه كلام اللَّه تعالى، فدور الملك في هذه الصورة من الوحي متمثل في أنه يحمل

(1) الإمام مالك بن أنس (ت 179 ه/ 795 م) الموطأ (ص 593) كتاب الرؤيا، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، سلسلة كتاب الشعب، القاهرة (د. ت) .

(2) جامع البيان (11/ 93) .

(3) ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين (1/ 51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت