من هنا فإن صوت المسيح عندهم هو صوت اللَّه، وهو كالصوت الذي سمعه موسى من قبل «1» .
وإذا كان الروح القدس هو الواسطة بين اللَّه والمسيح في الوحي إليه، فإن الوحي إلى الحواريين كان بتوسط المسيح نفسه إذ (كشف اللَّه عن نفسه للحواريين من خلال روح المسيح. كما كشف اللَّه عن نفسه من قبل بصوت خارجي) «1» إلا أن ما يفترقان فيه هنا أن الوحي إلى المسيح لم يتضمن وساطة حسية كالكلام والرؤية.
وموضوع الوحي في المسيحية هو كتب العهد الجديد، والمعتبر منها عندهم أربعة هي: إنجيل متى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا «3» وهذه الأناجيل تتضمن أخبار المسيح من وقت الحمل إلى وقت الصلب - في اعتقادهم - وقيامته في قبره بعد ثلاث ليال ثم رفعه بعد أربعين ليلة إلى السماء.
وهذه الأناجيل في الحقيقة لم تكن وحيا أوحي إلى المسيح، ولا هي من إملائه، فقد كتبت بعده من قبل هؤلاء الحواريين الذين سميت بأسمائهم، وهي الأناجيل التي تتفق على اعتبارها الفرق والطوائف المسيحية المختلفة.
وقد شغل هؤلاء الحواريون باعتبارهم المبشرين الأوائل في الديانة المسيحية موقعا مشابها لموقع الأنبياء في إسرائيل القديمة «4» . وهذا ما يلاحظ من خلال العهد الجديد إذ يتبين فيه أن هؤلاء كانوا بمنزلة أنبياء بني إسرائيل، ولكنهم لا يتحدثون دائما عن وحي بل كان هذا نادرا عندهم «5» .
ويؤكد هذا المفهوم أن (بولس) يميز بين نوعين من التبشير عند الحواري هما: 1 - ما يعتمد على وحي. 2 - ما يعتمد على معرفة شخصية. ففي رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يقول: (ما ذا أنفعكم إن لم أكلمكم إما بإعلان، أو بعلم، أو بنبوة، أو بتعليم) «6» .
ومن المعروف لدينا أن الأنبياء حين يبشرون فلا شك أنهم مقيدون بما
(1) سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة (ص 134) .
(3) أبو زهرة: محاضرات في النصرانية (ص 42) .
(5) سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة (ص 327) .
(6) الكتاب المقدس: العهد الجديد، رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (الإصحاح 14: 1) .