فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 276

ومن خلال هذه الأنواع ومراتب معرفة البشر واطّلاعهم عليها نستطيع أن نتبيّن الاختلاف والتفريق بين علمه تعالى بالغيب وعلم البشر ممن ارتضاهم لاطّلاعهم عليه فيتمثل لنا الاختلاف في (أن إخبار الرسول [البشر] لا يكون علما بالغيب بل نقلا عمن يعلم الغيب) «1» .

فعلمه تعالى هو الأصل، وعلم غيره فرع من ذلك الأصل، كما يختلف التلقي للغيب في مصدره.

فالأنبياء عليهم السلام ينقلون عن الأصل بالوحي الإلهي الذي يتلقونه عنه تعالى، ويختلفون عن غيرهم كالكهنة والمنجمين الذين يصيبون في أخبارهم أحيانا، ويفرق الطبري بين الإخبارين في: أن أنبياء اللَّه ورسله يخبرون به (أي الغيب) من غير استخراج ولا طلب لمعرفته باحتيال، ولكن ابتداء بإعلام اللَّه إياهم من غير أصل تقدم ذلك احتذوه أو بنوا عليه أو فزعوا إليه كما يفزع المنجم إلى حسابه والمتكهن إلى رئيّه) «2» .

وإخبار الملائكة والأنبياء عليهم السلام بالغيب مرتبط بما يعبر عنه تعالى بالارتضاء والاصطفاء، بتخصيص من يلقى إليه علم الغيب باختياره من بين كل البشر.

فالاصطفاء: أخذ صفوة الشيء وخالصته، واصطفاء اللَّه تعالى من الملائكة رسلا ومن الناس: اختياره من بينهم من يصفو لذلك ويصلح «3» . قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النَّاسِ .. [الحج: 75] ، عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ .. [الجن: 26 - 27] ، رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ .. [غافر: 15] .

يفسر قتادة بن ربعي (ت 117 ه/ 735 م) ذلك بأنه تعالى (ربما أطلعه «أي المرتضى» على ما غاب عن غيره من الخلائق، بأن يوحي إليهم بما شاء من الغيب) «4» .

وتقييد إلقائه على المرتضين دون العامة أتبعه تقييد آخر في الآية الأولى

(1) الكاشف (3/ 431) .

(2) جامع البيان (3/ 193) .

(3) الطباطبائي: الميزان (14/ 419) .

(4) انظر الطوسي: التبيان (10/ 158) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت