فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 74

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون. قالوا: إنّا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إنّ الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فيغضب حتّى يُعرف الغضب في وجهه، ثمّ يقول: إنّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا.

طرق الحديث:

-كتاب الإيمان، رقم: 20، من طريق: محمد بن سلام أخبرنا عبدة بن سليمان الكوفي عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة. به.

توضيح ما يشكل من الحديث:

-غضب رسول الله عليه الصّلاة والسّلام كان من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير في العمل، بل يوجب الزيادة فيه.

يوضحه ما قاله ابن رجب: أنّ الإنكار على من نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة؛ فإنه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد فإذا عوتب على ذلك وذكرت له المغفرة أخبر أنه يفعل ذلك شكرا؛ كما في"الصحيحين"عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تتفطر قدماه فيقال له: تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول:"أفلا أكون عبدا شكورا"وقد يواصل في الصيام وينهاهم ويقول:"إني لست كهيئتكم؛ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني"، فنسبة التقصير إليه في العمل لاتكاله على المغفرة خطأ فاحش؛ لأنه يقتضي أن هديه ليس هو أكمل الهدى وأفضله، وهذا خطأ عظيم؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يقول:"خير الهدى هدى محمد". ويقتضي - أيضا - هذا الخطأ: أنّ الإقتداء به في العمل ليس هو أفضل؛ بل الأفضل الزيادة على هديه في ذلك، وهذا خطأ عظيم جدا؛ فإن الله تعالى قد أمر بمتابعته وحث عليها، قال تعالى:"قل إن كنتم تحبّون الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ" [آل عمران: 31] . فلهذا كان صلى الله عليه وسلم يغضب من ذلك غضبا شديدا لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعته والإقتداء به. انتهى

الشاهد من الحديث:

قوله عليه الصّلاة والسّلام:"أنا أعلمكم بالله"، وفي رواية:"أعلمكم بالله أنا"

فيه أنّ العلم المستقر في القلوب درجات، والناس متفاضلون فيه، وهذا يتضمّن زيادة الإيمان ونقصانه خلافا لمن جعل الإيمان شيئا واحدا، وخلافا لمن ظنّ أنّ الناس لا تتفاوت درجاتهم في العلم والمعرفة والتصديق.

المسائل المستخرجة من الحديث:

-فيه أنّ الناس يتفاضلون بحسب الأعمال الصالحة.

-فيه أنّ أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّت.

-فيه أنّ العبد لابدّ أن يتوقف مع المشروع من العمل ولا يتعدّى ذلك إلى الابتداع

-الأخذ بالأسهل الموافق للشرع أفضل من الأخذ بالأشق المخالف للشرع.

-فيه فضل الصحابة ورغبتهم في عبادة الله تعالى.

-مشروعية الغضب عند مخالفة الشرع.

-مشروعية الإنكار على من قصُر فهمه تحريضا له على التيقض.

-جواز تحدّث الإنسان بما فيه من فضل بحسب الحاجة لذلك عند الأمن من المباهاة.

-وفيه من كان بالله أعلم كان لله أتقى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت