باب: حسن إسلام المرء [1]
قال مالك أخبرني زيد بن أسلم أنّ عطاء بن يسار أخبره أنّ أبا سعيد الخدري أخبره أنّه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفّر الله عنه كلّ سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسّيئة بمثلها إلاّ أن يتجاوز الله عنها. [2]
رقم: 30
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا أحسن أحدكم إسلامَه فكلّ حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكلّ سيّئة تكتب له بمثلها.
طريق الحديث: الحديث متفق عليه.
-كتاب الإيمان، رقم: 42، من طريق: إسحاق بن منصور ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة. به.
* رواه مسلم (رقم: 205(129 ) ) من طريق عبد الرزاق. به.
توضيح ما يشكل من الحديث:
-أسلم: أي صار مسلما، والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
-قوله أحدكم أو العبد: يشترك فيه الرجال والنساء، وذكره بلفظ المذكر تغليبا
-إذا أحسن أحدكم إسلامَه. المراد بحسن الإسلام أمران، الأوّل: المراد بإحسانه في الإسلام: فعل واجباته والانتهاء عن محرماته، وبالإساءة في الإسلام: ارتكاب بعض محظوراته التي كانت ترتكب في الجاهلية.
المعنى الثاني: أن تقع طاعات المسلم على أكمل وجوهها وأتمها، وهو الإحسان المذكور في حديث جبريل المشهور.
الشاهد من الحديث:
-قوله: إذا أحسن أحدكم إسلامَه، أنّ العباد في إسلامهم يتفاضلون.
و فيه أنّ الأعمال من الإيمان. [3]
-و قوله: وكلّ سيّئة تكتب له بمثلها. فيه ردّ على الّذين يكفّرون بمطلق المعاصي.
المسائل المستخرجة من الحديث:
-فيه سعة كرم الله تعالى على عباده المسلمين.
-فيه فضل الإسلام.
-فيه أنّ الله لا يقبل من الأعمال إلاّ من مسلم.
(1) - هذا مأخوذ من حديث"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"وهو حديث من مراسيل عليّ بن الحسين كما جزم به الإمام أحمد ويحي بن معين والبخاري والدراقطني.
(2) - وصله النسائي في سننه رقم: 4998، وهو صحيح.
(3) - علّق بدر الدّين بن جماعة على هذا الباب في كتابه مناسبات تراجم البخاري (ص: 20) : لمّا وصف الإسلام بالحسن وحسن الشيء زائد على هيئة، فعيّن أن يكون في الأعمال لا في الاعتقاد والتوحيد، لأنّ اعتقاد التوحيد واحد ولا تنقلب زيادة ولا نقصا. انتهى
قال أبو عزير عبدالإله الحسني ما لفظه: (( ما قاله بدر الدين بن جماعة فاسد بالاعتبار والدليل، وهذا لما حققه على الأشعرية التي تعرّف لا إلا إلا الله أنه قادر على الاختراع، فالحسن كما يدخل على الأعمال يدخل على أساسيات المعتقد، فالموحد لله بالإجمال ليس كالموحد لله بالتفصيل، فالتوحيد ـ كما فسره بدر الدين ـ يدخل عليه النقص والزيادة، لأن اعتقاد الأنبياء ليس كاعتقاد أتباعهم من حيث تحقيقه، فالنقص والزيادة والحسن وغيره كما يطرأ على الأعمال يطرأ على الاعتقاد، وإلا كيف يحسن العمل بدون حسن الاعتقاد؟!
فإن قال معترض: تصديق الرسل والإيمان باليوم الأخر يستوي فيه الأنبياء والأتباع من حيث هو خبر.
قلنا: فهذا الخبر يتفاضل فيه الناس من حيث هو تصديق، فيوّلد لبعض الناس الدفع القوي لتحقيقه بالأعمال، ولبعض الناس الدفع الضعيف؛ لاقترافهم بعض القبائح، فالتصديق لليوم الآخر قد يوّلد خشية قوية، وقد يولد خشية ضعيفة تظهر على الأعمال، فكيف يقال هو واحد، نعم الأصول الإيمانية واحدة، لكن يعتريها النقص والزيادة من حيث تأثيرها. وحسن الشيء ليس زيادة على الهيئة، وإنما منها، وهذا ما قاله من الجدليات الكلامية التي أخذوها عن المعتزلة وظنوها تنصر وإن هي إلا تكسر )) .