بسم الله الرحمن الرحيم1
باب: قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:"بُني الإسلام على خمس"
وهو قول وفعل، ويزيد وينقص، قال تعالى:"ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم"،"وزدناهم هدى"،"ويزيد الله الّذين اهتدوا هدى"،"والّذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم"،"ويزداد الّذين امنوا إيمانا"، وقوله:"أيّكم زادته هذه إيمانا فأمّا الّذين امنوا فزادتهم إيمانا"، وقوله جلّ ذكره:"فاخشوهم فزادهم إيمانا"، وقوله تعالى:"وما زادهم إلاّ إيمانا وتسليما". والحبّ في لله والبغض في الله من الإيمان. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن عديّ: إنّ للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبيّنها لكم حتّى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص، وقال إبراهيم:"ولكن ليطمئنّ قلبي"، وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة. وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كلّه. وقال ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التّقوى حتّى يدع ما حاك في الصدر. وقال مجاهد"شرع لكم .."أوصيناك يا محمد وإيّاه دينا واحدا. وقال ابن عباس"شرعة ومنهاجا": سبيلا وسنّة.
وقفة مع الترجمة:
لإيمان لخّص فيه الإمام البخاري ما سيبيّنه من عقيدة أهل السنّة والجماعة في مسألة الإيمان، وهو - أي الإيمان - قول وعمل يزيد وينقص، وهذا بإجماع السلف كما حكاه الإمام الشافعي في كتاب الأمّ ومن خلال هذا التعريف يتجلّى لنا أنّ للإيمان أربعة أركان:
-قول القلب - قول اللسان - عمل القلب - عمل الجوارح.
فهذه أركان أربعة لا يقوم الإيمان إلاّ بها، ثمّ أوضح أنّ الإيمان بهذا التعريف وبهذه الأركان يزيد وينقص، ودلّل على هذا بآيات من القرآن ومن أقوال السلف أمّا من القرآن فمنها قول إبراهيم عليه السّلام:"ولكن ليطمئنّ قلبي"وقد فسرها سعيد بن جبير بالازدياد من الإيمان، فإنه قال له: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] فطلب زيادة في إيمانه، فإنه طلب أن ينتقل من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين وهي أعلى وأكمل [1] .
وأمّا آثار السلف: منها قول معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة. أي بذكر الله تعالى نزداد إيمانا، جاء عن أحد الصحابة كما رواه ابن أبي شيبة أنه قال: إن الإيمان يزيد وينقص، قالوا: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه.
(1) - قال أبو عزير عبدالإله الحسني ما لفظه: (( اليقين ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فإذا قلت لأحد ـ وكنت ثقة عنده ـ: عندي عسل، حصل له درجة علم اليقين، فإذا أخرجته وشاهده بالعين المجردة تحقق عنده عين اليقين، فإذا أذاقه تحقق عنده درجة أكبر من هذه وهي: حقّ اليقين؛ درجة الأنبياء والمرسلين، فمعاينة الإحياء من إبراهيم؛ وقد قطّع تلك الطيور وخلّطها تحصل له بها حقّ اليقين ) ).