-فيه ردّ على المرجئة من أنّ الأعمال من مسمّى الإيمان، وذلك في قوله تعالى:"وما كان الله ليضيع إيمانكم"أي صلاتكم، فهذا دليل أنّ الصّلاة من الإيمان، وفي ترك الصّلاة تفصيل أمّا من جحدها فهو كافر بالإجماع، وأمّا من جحدها وكان يصلّي في الظاهر فهذا كافر منافق، أمّا من كان يقرّ بوجوبها ولم يصل"كسلا" [1] ، فإذا كان تاركا للصّلاة بالكلّية فهذا كافر روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصّلاة. وهذا الحكم هو إجماع الصّحابة روى الترمذي عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله عليه الصّلاة والسّلام لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر غير الصّلاة.
و هذا ما كان عليه السلف الصالح روى ابن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر الصّلاة عن أيّوب السختياني (توفي 131 هج وهو من شيوخ الإمام مالك) قال: ترك الصّلاة كفر، لا يختلف فيه. والتفصيل مسألة تارك الصّلاة موضع آخر.
المسائل المستخرجة من الحديث:
-فيه بيان شرف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكرامته على ربّه لإعطائه له ما أحبّ من غير تصريح بالسؤال.
-و فيه بيان ما كان في الصّحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم.
-فيه من صلّى إلى غير القبلة مخطئا ثمّ علم أثناء صلاته استدار كما هو وصلاته صحيحة.
-فيه أنّ الله لا يضيع عمل عامل إذا أدّاه كما أمر الله تعالى.
-مشروعية مخالفة أهل الكتاب.
-فيه بيان ما عليه الكفار من حبّ موافقتهم.
-فيه أنّ التشريع لا يكون إلاّ من عند الله، وما على الرسول إلاّ البلاغ، وذلك لمّا كان يعجبه أن تكون قبلته قِبل الكعبة ما تحوّل إليها إلاّ بأمر من الله تعالى.
-و فيه أنّ العبادات مبنية على التوقيف.
-فيه أنّ حكم النسخ لا يثبت في حق المكلف حتّى يبلغه، حيث النسخ ثبت في وقت العصر، وبلغ إلى غير من صلّى مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعدها فلم يؤمروا بإعادة الصّلاة الّتي صلّوها.
-فيه مشروعية تعليم من ليس في الصّلاة من هو فيها.
-و فيه العمل بخبر الواحد إذا صحّ.
-جواز نسخ بطريق العلم والقطع بخبر الواحد، وتقريره أنّ النبيّ عليه الصّلاة والسّلام لم ينكر على من بلغه نسخ القبلة الأولى بخبر الواحد وعملهم بمقتضاه.
-و فيه إلزام الجاهل أن يصدق في جهة القبلة من أخبره من أهل المعرفة إذا كان يُعرف بالصدق، لأنّ هذا لا سبيل لمن غاب عن موضع القبلة إلى معرفة جهتها إلاّ بالخبر.
-و فيه بيان سبب نزول هذه الآيات.
(1) - قال أبو عزير عبدالإله الحسني ما لفظه: (( شبهة الكسل شبهة ألقوها فقهاء المرجئة، ولم تحدث حتى دخل عباد وزهاد الإرجاء، لأن الكسل مناقض لتركيبة الإنسان التي فطر عليها، لهذا قال النبيء ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(أصدق الأسماء الحارث والهمام) لأن كل إنسان يهم بمعنى: له إرادة قلبية تدفع الجوارح بظهورها عليها، ويحرث في الكسب ـ الدنيوي أو الأخروي ـ، والكسل لا ينطبق عليه من حيث هذه تركيبته، وقد أجليت هذه الشبهة بمطوّل لما عالجت شبهات الألباني ـ رحمه الله ـ في مسائل الإيمان في الشبهة الحادية عشر؛ في كتابي (( مسألة الإيمان في كفتي الميزان ) )فليطالع فيه فتجد فيه ثلج الصدر، ونثر الدر )) .