إن مجرد اغتصاب السلطة والتغلب على الناس دون رضاهم بذلك المتغلب ودون بيعتهم له، لا يصحح تلك الإمامة، ويبقى التوصيف الشرعي الصحيح لها أنها اغتصاب، ولا ينقلها عن الوصف بالاغتصاب إلا بيعة الأمة لذلك المتغلب ..
روى البيهقي بإسناده عن حرملة قال: (سمعت الشافعي يقول: كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة [1] ، ويجمع الناس عليه فهو خليفة) [2] ..
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فمتى صار قادرًا على سياستهم [3] ، إما بطاعتهم أو بقهره، فهو ذو سلطان مطاع إذ أمر بطاعة الله) [4] ..
ويجب أن يُفهم أن الفقهاء حين صححوا إمامة المتغلب فإنما صححوها - اضطرارًا - بعد تغلبه واستتباب الأمر له [5] ، ولكنهم لم يجيزوا له التغلب ابتداءً، فإقرار الشيء بعد وقوعه لا
(1) قوله: يسمى خليفة، لا يفهم منه مجرد التسمية المدعاة على مذهب تنظيم"الدولة".. خليفة بلا خلافة ولا جماعة المسلمين! .. وإنما المقصود الأسماء المتضمنة لمعانيها وحقائها الكونية والشرعية، وكلام الشافعي بعدها يؤكد ذلك.
يقول الشيخ أبو قتادة الفلسطيني: (الألفاظ الشرعية إما أنها تطلق على حقائق كونية أو حقائق شرعية، أما أن تطلق على الفراغ فإن هذا دين الروافض والباطنية) ، ثياب الخليفة، ص 20.
(2) مناقب الشافعي للبيهقي، 1/ 449، نقلًا عن كتاب الإمامة العظمى، ص 223.
(3) فهل يقدر البغدادي على سياسة المسلمين وهم لازالوا تحت سلطان الطواغيت!
(4) منهاج السنة، 1/ 529.
(5) (ولذا فإن خلاف العلماء في إمامة المتغلب الذي تغلب فعلًا ثم طلب من الناس بيعته: هل تنعقد إمامته بالغلبة أم لا تنعقد؟، وهل يلزم أهل الحل والعقد بيعته أم لا يلزموا؟، وهل يأثمون إذا لم يبايعوه - وقد استوفى شروطها - أم لا يأثمون؟، كل هذا وغيره يكون بعد تغلبه فعليًا، ولا تكون البيعة قبل التغلب) ، نقلًا عن كتاب"الدولة الإسلامية بين الحقيقة والوهم"، لأبي عبد الله محمد المنصور، ص 53.