فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 80

جهادهم قد انتهت بأسرهم، فينفصلون عن دعوتهم معنويًا وروحيًا كما انفصلوا عنها جسديًا وماديًا. بينما الحقيقة ينبغي أن تكون غير هذا.

يقول الشيخ أبو قتادة:"مما لا شك فيه أن طريق الدعوة محفوف بالمخاطر والابتلاءات، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [1] . ذلك لأن الداعي يأتي للناس بالجديد من الأمر، ويدعوهم لترك عوائدهم وإيلافهم، بل ويسفه ما هم عليه من نهج وطريق، وهذا أمر كبير على الناس، لأنه يطعن في مسلماتهم وعظائم عقائدهم، ولهذا فإن الداعي يجابه بقوة وعنف، وبسبب هذا الابتلاء تتميز الصفوف، ويفيء الناس إلى مقاماتهم الحقيقية دون لبس أو تزوير، فالابتلاء يعرف مقامات الناس، والبقاء للصابر، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [2] . قال ابن تيمية - رحمه الله - في تفسيرها: بالصبر واليقين تنال الإمامة. ا. هـ [3] "

حكم وفوائد

فالصبر يمنع التهور، واليقين يمنع اليأس والقنوط، فالداعي له قوتان تحصنانه من الخطأ، قوة تدفعه وهي اليقين، وقوة تريثه وهي الصبر، يقين على الموعود القادم، وصبر على البلاء الواقع، والبلاء والامتحان ظاهرة في كل الدعوات، وهي تكتنف المتمردين، سواء كان تمردهم بحق أم بباطل، فليس الأنبياء أو أتباع الأنبياء هم فقط من لقي العنت في سبيل دعوته، بل كل من أتى للناس بجديد، ولكن ما يميز أهل الحق من غيرهم في هذا الباب هو أن تعب الأنبياء وأتباعهم هو في سبيل الله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [4] ، وأما غيرهم فتعبهم وبال عليهم كما قال تعالى: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} ، وكما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [5] ، فالابتلاء ظاهرة في مسيرة الدعوات لأن وجود الأعداء من مظاهر نصرة الله لأوليائه، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} [6] ، ومظهر من مظاهر

(1) العنكبوت: 2 - 3

(2) السجدة: 24

(3) الجهاد والاجتهاد: تأملات في المنهج

(4) التوبة: 120

(5) الأنفال: 36

(6) الأنعام: 112

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت