وإن أريد اعتبار وصف الزمانة مطلقًا في التفريق بينهما فهذا لا اعلم له دليلًا، غايته الاستدلال بقوله تعالى: {للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم، لا يسألون الناس الحافًا، وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} .
وهذا الاستدلال إنما يصح إذا اعتبرنا الوصف بـ {لايستطيعون ضربًا في الأرض} من باب الوصف الكاشف، الذي لا مفهوم له. وهذا غير ظاهر هنا، بل الظاهر أن له مفهومًا، وهو أن من الفقراء من يستطيع ضربًا في الأرض.
وعلى فرض التسليم بأن هذا وصف كاشف، فإن معنى الضرب في الأرض لا يلزم منه الزمانة، وبه تعلم أن هذا الوصف لا يصلح للتفريق بينهما.
أما القول بالتفريق بينهما بوصف الهجرة.
احتج أصحابه بقوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} الحشر:8.
ويتعقب هذا الاستدلال بأنه إنما يسلم إذا كان وصفًا كاشفًا، والظاهر خلافه، إذ مفهوم الآية: أن من الفقراء من لم يهاجر، وخص من هاجر منهم اهتمامًا به؛ وعليه فلا يكون في الآية دليل على اعتماد هذا الوصف في التفريق،"ولذلك لم يعتمد هذا الوصف في التفريق؛ إذ هو حكاية الحال وقت نزول الآية، وأمّا منذ زالت الهجرة، فقد استوى الناس، وتعطى الزكاة لكل متصف بالفقر [1] ."
(1) المحرر الوجيز (2/ 48) .