بقي منه على شفا حافة النيران والهلاك لولا جُهد بعض الدارسين المخلصين، وبذلك لم يخرج إلى حَيِّز التداول إلا النزر اليسير.
ونظرًا لأهمية هذا التراث وأداءً للواجب الديني والقومي والوطني، ألزم الباحث نَفْسَهُ بالتقصي والتَّتبع، إسهامًا منه في إماطة اللثامِ عن جزء ضئيل مِنْ تُراثٍ عُنِيَ فيه أحد أبناء شعبنا بالدراسات القرآنية.
وبعد فترة من الإستقراء والمتابعةِ في فهارس مخطوطات علماء الكرد وبعد مشاورة ذوي الخبرة والإختصاص ولا سيما المشرف على هذه الرسالة، اختار الباحثُ المخطوطة الموسومة بـ: (التبيان في بيان الناسخ والمنسوخ من القرآن ) ) للشيخ عبدالرحمن ابن الخياط القرةداغي للدراسة والتحقيق، و مؤلِفُهُ هذا عَلَمٌ مِنْ الأعَلام القائمين بالدراسات القرآنية في العراق في القرن الرابع عشر للهجرةِ، ومؤَلَفه هذا يتناولُ الدّراساتِ القرآنيةَ، وفي موضوع كانَ فهمُهُ وحفظهُ والنَّظَرُ فِيهِ والعنايةُ بِهِ آكد من غَيرهِ عند أهل العلم بالقرآن، وهو علم الناسخ والمنسوخ في القرآن الذي تَرجعُ العنايةُ بِهِ إلى عَصْرَيْ الصحابة والتابعينَ، وقَدْ أُلِفَ فيهِ إستقلالًا كعلم من العلوم القرآنية في المئة الثانية من الهجرة [1] ، ثم أصبح من العلوم التي تضاربت فيه الآراء، وتشعبت في فهمه وتفسيره الأفكار.
ومما يجدُر ذكرهُ هو ان المُؤلِّف نَفْسَهُ وَكَذلكَ مؤلَّفاتهُ لم يَحْظَيا بالدراسة والتحقيق الكافيين، على الرغم من خدماته الجليلة في العلوم الإسلامية، حتى وأنَّ كتابه هذا لم يسبق نَشْرهُ، ناهيك عن الدراسةِ والتحقيق، بل كان على شفا الهلاك.
وتظهر أهميةُ هذه الدراسةِ أَيضًا في إحياء هذا التراثِ لأهم مؤلَّفٍ من مؤلَّفاتِهِ دراسةً وتَحقيقًا، ومن خلالِهما فَقَدْ عَرَضْتُ وَدونتُ آراء المفسرين والباحثين القدامى والمحدثين، ولا سيما فيما يتعلقُ بالآيات التي كثرت فيها دعاوى النسخ، وتشعبت الآراء والفهم بصدِدها، وكذلك فقد جنح البحث إلى ترجيح ما بدا لهُ ترجيحَهُ وحاول الجمع بين الآيات.
وقد جاء بناء البحث على قسمين، أولُهُما للدراسة وثانيهِمَا لإبرازُ النص محققًا، وتتألف الدراسة مِنْ تمهيد وفصلين وخاتمةٍ تتعلقُ بخلاَصةٍ البحث وأَهمْ نتائجهٍ.
فَعرض في التمهيد الحالة العلمية في عصر ابن الخياط، والفصل الأولُ تناولَ مبحثين في حياة إبن الخياط وآثارهِ، فكان الحديث في المبحث الأول عن حياته، ففصل القول عن: إسمه وكنيته ولقبه ونسبه وأسرته، ثم ولادته ونشأته ورحلاته العلمية، وبيان مكانته العلمية لدى العلماء، تُمَّ تعريف بشيوخه وتلامذته ممن وقف الباحث عليهم، ومن ثمَّ وفاته وما يتعلق بها.
وخصص المبحث الثاني لذكر آثاره، بتعريف لمؤلَّفاته وآثارهِ الموجودة والمفقودة التي تبلغُ خمسةً وَعِشرينَ مؤلَّفًا بين تصنيفٍ وشرحٍ وحواشيَ وتعليقاتٍ على المُتون، حسب ما وصل إليهِ البحث، وتقسيم الآثارِ حسب العلوم، والتطرق إلى أماكِنَ وجودها وما عليها من تقاريظ للعلماء، وشيء عن منهجه فيها.
وجاء الفصل الثاني في مبحثين، تناول الأول منهما دراسة مقتضبة لموضوع النسخ في القرآن الكريم من حيث الأهميةُ والحكمةُ منهُ وشروطُه ومفهومُه وطرقُه، وآراء العلماء فيه، وختم هذا المبحث ببيان أهم الاعتراضات الواردة على النسخ وردها.
وخصص المبحث الثاني لدراسة كتاب (( التبيان ) )بدءًا بِعنوانه وكذلك توثيق نسبته وغرض المؤلف من تأليفه ومصادره و مكانة الكتاب في الدراسات القرآنية ومنهجهِ فيهِ، و شخصيته، وبيان ما يلحظ من مآخذ على الكتاب خلال البحث و الدراسة. وختمت الدراسةُ بخاتِمةٍ ذكرَ فيها خلاصة البحث وأهم نتائجهِ.
واَما القسم الثاني من الرسالة المتعلقِ بالتحقيقِ فقدْ بدأَ ببيان منهج الدراسة والتحقيق، وذكر نسخ الكتاب وتعريف كل على حِدَةٍ، ثمَّ أُثْبِتَ كتاب (( التبيان ) )هذا بالنصِ والتحقيق.
(1) ينظر: النسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 1/ 289 - وما بعدها.