منذ أن تشعشع ضوء الإسلام وضاءةً على أصقاع كردستان، إعتنق الكرد هذا الدين الحنيف، وأخذ أبناؤه بأسباب الرقي، فجعلوا مبادئ الدين سلوكًا ودستورًا في حياتهم، فنبغ من بينهم آلاف الجهابذة من العلماء المشهورين ممن قدموا إلى العالم الإسلامي مئات المؤلفات العلمية، إسهامًا منهم لخدمة الحضارة الإسلامية ورقيها.
فمن بين المناطق التي لها مكانتها المرموقة في العلم، والمشهورة بأبنائها الأعلام منطقة (قرةداغ) [1] ، حيث يرجع وجود المؤسسات الثقافية والعلمية فيها إلى العهود الإسلامية الأولى منذ مئات السنين [2] ، وما يعنينا من هذه السنوات الفترة الواقعة بين عام (1253 هـ - 1838 م) إلى (1335 هـ - 1917 م) التي عاصرها ابن الخياط وقضى فيها معظم حياته بين موطنه قرةداغ وبغداد.
وقد شاء الله تعالى أن يكون العصر الذي ترعرع فيه ابن الخياط أن يشهد العناية الوفيرة بالعلم وأهله من (الأمارة البابانية) [3] التي حكمت المنطقة، فالميزة اللامعة للأسرة البابانية وأمارتهم هي العناية بالعلماء والمدارس الإسلامية، فقد كانت حركة التعليم نشطة متواصلة في الجوامع والمدارس العلمية التي حرص الأمراء البابانيون على بنائها وتجديدها وترميمها وتنظيم مواردها بموجب وقفيات أوقفوها على مصالحها، وكانت هذه العناية رغبة في الثواب وحبًا للعلم وخدمة للعلوم الإسلامية [4] .
ولايمكن إغفال الدور الذي لعبه بعض الأسر العلمية المعروفة في المنطقة من أمثال: الأسرة الخرثانية، والديليذية، واسرة علماء تكية، والأسرة المردوخية، وغيرها [5] . فقد غذت هذه الأسر الكردية الكرد والأمة الإسلامية بأساتذة بررة وعلماء أفذاذ أسهموا في إحياء التراث الإسلامي.
وكان نظام التعليم واساليب الدراسة لم تخرج عن الأطر التقليدية المعروفة في المدارس الدينية [6] ، إذ كانت المساجد من أهم المؤسسات الثقافية والعلمية، وبقيت مكانًا لحلقات الدروس العلمية المتداولة، تعلم فيها الدارسون الآداب العلمية الراقية والعادات الأصيلة التي حرص كل من الطالب والأستاذ على مراعاتها واستمدوها من تعاليم الإسلام وعمق مبادئه، وقد كانت الأساتذة حريصين على توصيل ما أؤتمنوا عليه من علم السلف، واصبحت هذه
(1) ينظر تفصيل القول فيها في ص ... من هذه الرسالة.
(2) ينظر: با نةخشةى جوطرافياى رؤشنبيرى قةرةداغ تةسك نةكةينةوة (حتى لا نضيق الخريطة الجغرافية الثقافية لقرةداغ) : 10.
(3) (آل بابان) : من أعرق الأسر الشهيرة، أشارت إليها دائرة المعارف البريطانية في مادة -كرد-، ترجع تأريخها إلى ما قبل ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) ، وهي تمتاز بمآثرها ومزايا أفرادها الحسنة التي تنطوي على الفطنة والذكاء والإدارة، وقد حكموا في القدم إيران ومناطق عديدة في العراق، وقد كانت أمارتهم الأخيرة - وهي الخامسة التي دامت مئتي سنة- بالسليمانية، وانقرضت هذه الإمارة سنة (1267 هـ) . تنظرتفصيلات الإمارة في: تأريخ الإمارة البابانية، وتأريخ مشاهير الألوية العراقية: 125 - وما بعدها، وتأريخ السليمانية وأنحائها: 162 - ومابعدها، وشهرزور السليمانية: 183 - وما بعدها، والشيخ معروف النودهي: 15 - وما بعدها، وبابان في التأريخ ومشاهير البابانيين: 9 - وما بعدها.
(4) ينظر: التعريف بمساجد السليمانية: 3، والشيخ معروف النودهي:5 - 17 - 18،وبايةخ ثيَدانىبابانةكان بةئاستى رؤشنبيريي ... (عناية البابانيين بالمستوى الثقافي ... ) : 101 - وما بعدها، ونظرة في تأريخ الإمارة البابانية الكردية: 187 - 188.
(5) ينظر: التعريف بمساجد السليمانية: 23 - وما بعدها، وضؤن لة ميذووى قةرةداغ دةدويَين (كيف نتحدث عن تأريخ قرةداغ) : 10، وكورتةيةك لة جوطرافياو ميَذووى قةرةداغ (نبذة عن جغرافية قرةداغ وتأريخها) : 10 - وما بعدها، ورِاستكردنةوةى ضةند هةلَةيةك (تصحيح بعض الأخطاء) : 9، وبا نةخشةى جوطرافياى رؤشنبيرى ... (حتى لا نضيق الخريطة الجغرافية الثقافة ... ) : 10.
(6) تنظر تفصيلات الحالة الدراسية والثقافية والعلمية في مدارس كردستان وكيفية الدراسة فيها والمباحث المتعلقة بها في: الحالة الدراسية والإجتماعية في مدارس كردستان الدينية: 2/ 26 - وما بعدها، والحالة الثقافية في كردستان وكيفية تلقي العلوم في مدارسها: 124 - ومابعدها، وبوذانةوةى ميَذووى زانايانى كورد ... . (إحياء تأريخ العلماء الأكراد ... ) : 1/ 9 - وما بعدها.