والحق عندي: أنه لا نسخ فيها [1] ، بل المراد ـ والله أعلم ـ ما قاله بعض المفسرين من أن المعنى: وعاملوا أهل الكتاب بالخصلة الحسنة، من مقابلة الخشونة والغضب باللّين والكظم [2] ، للذين قبلوا الجزية (منهم، أي: فإذا قبلوا الجزية) [3] فلا تؤذوهم ولا تشتموهم [4] .
ـ وفي هذه السورة من الآيات الناسخة قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} [5] .
هذه الآية ناسخة للتبني، إذ كان في الجاهلية يتبنى الرجل (أحدًا) [6] فيجعله كالإبن المولود (له) [7] ويدعونه الناس إليه ويرث // 38 / أ // ميراثه [8] ، وكان (عليه الصلاة والسلام) تبنى زيد بن حارثة قبل الوحي، فلمّا تزوج (- عليه السلام -) زينب بنت جحش ـ وكانت قبله (- عليه السلام -) تحت زيد ـ طعن المنافقون عليه (- عليه السلام -) [9] ، فقالوا: تزوّج محمد مرأة إبنه، (وهي) [10] ينهى عنه، فنزلت ونسخ بها التبني [11] .
(1) وإليه ذهب مجاهد وإبن زيد واختاره الطبري والنحاس والسخاوي وعزاه إلى الجمهور، وبه قال
... الطبرسي والآلوسي وغيرهم.
وينظر: جامع البيان: 21/ 2 ـ 3، والناسخ والمنسوخ: النحاس، 204، والإيضاح: 330،
... والطود الراسخ: 2/ 107، والجامع لأحكام القرآن: 13/ 350 ـ 351، ومجمع البيان: 8/ 32،
... وتفسيرالقرآن العظيم: 3/ 686 ـ 687، وحاشية شيخ زادة: 3/ 536، وروح المعاني: 21/ 3.
(2) ينظر: أنوار التنزيل: 4/ 318، وروح المعاني: 21/ 3.
(3) سقط ما بين القوسين في: (ب) .
(4) ينظر: المصفى: 210، ونواسخ القرآن: 207، والطود الراسخ: 2/ 107 ـ 108، والجامع
... لأحكام القرآن: 13/ 351، ومدارك التنزيل: 3/ 424، وروح المعاني: 21/ 4.
وممّا يرفع النسخ أيضًا: أن الآية أمرت بالمجادلة الحسنة لأهل الكتاب حتى يظلمون، فإذا أظلموا
... بأن نصبوا للمؤمنين الحرب ولم ينفع فيهم الرفق فجدالهم يكون بالسيف حتى يؤدوا الجزية أو يؤمنوا.
... فليس هناك تعارض بين آية القتال وهذه الآية حتى يقال بالنسخ. ويرى إبن زيد أن المراد: لاتجادلوا
... من آمن من أهل الكتاب فيما يحدثون به عن كتابهم، لعله كما يقولون، قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( ماحدثكم به
... أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدقوهم،
... وإن كان حقًا لم تكذبوهم )) .
تنظرالتفصيلات في: جامع البيان: 21/ 2، والطود الراسخ: 2/ 108، والجامع لأحكام القرآن
...: 13/ 350 ـ 351، وروح المعاني: 21/ 3، والنسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد،
... 2/ 547 ـ وما بعدها.
(5) (4 / الأحزاب 33) .
(6) ما بين القوسين في (ب) : (أجدًا) ، وهو تصحيف وسهو.
(7) سقط ما بين القوسين في: (ب) .
(8) ينظر: معالم التنزيل: 3/ 607.
(9) سقط (- عليه السلام -) في: (ب) .
(10) كذا في الأصل، والصحيح (وهو) لأنه يعود عليه (- صلى الله عليه وسلم -) .
(11) قال الواحدي في سبب نزولها:"نزلت في زيد بن حارثة كان عند الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) فأعتقه وتبنّاه قبل"
... الوحي، فلمّا تزوج النبي (- صلى الله عليه وسلم -) زينب بنت جحش ـ وكانت تحت زيد بن حارثة ـ قالت اليهود
... والمنافقون: تزوّج محمد إمرأة إبنه وهو ينهى الناس عنها، فأنزل الله تعالى هذه الآية"."
أسباب النزول: 237. وينظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس، 206، والإيضاح: 334، ولباب
... التأويل: 3/ 452، وحاشية شيخ زادة: 3/ 574.
فنسخت الآية ما كان عليه الناس من التبني، وهذا من قبيل نسخ السنة بالقرآن ـ كما قاله النحاس ـ،
... فلا يدخل هذا في ناسخ القرآن ومنسوخه ـ كما قاله المكي وإبن العربي ـ، لأن المنسوخ ليس من
... القرآن بل هو من السنة. ينظر: الناسخ والمنسوخ: النحاس، 206، والإيضاح: 334، وأحكام القرآن: إبن العربي، 3/ 1507، والنسخ في الشريعة الإسلامية: 291.