أقتلوا الكفرة. (أي: كل كافر، وفي كل زمان، وفي كل حال) [1] ، وفي كل بقعة، فكما أنه إذا أورد بعده: لا تقتلوا أهل الذمة. كان ذلك العام // 4 / أ // مخصوصًا بغيرهم، فكأنه قال: أقتلوا الكفرة إلاّ أهل الذمة. وليس في ذلك معنى الرفع أصلًا، بل هو تخصيص [2] . فكذلك إذا قال بعد الأمر ألأول: لا تقتلوا الكفرة. كان تخصيصًا للزمان الأول الذي كان عامًا بغير هذا الزمان، فكأنه قال: أقتلوهم في كل زمان إلاّ في الوقت الفلاني. فكذا هذا ليس فيه رفع أصلًا، بل هو تخصيص.
ـ الباب الثاني ـ
في الدليل على ثبوت النسخ وشُبَهِ المنكرين وردّها
إعلم أن النسخ جائز عقلًا وواقع سمعًا [3] . والدليل القاطع عليه: أن نبوة نبينا (- صلى الله عليه وسلم -) قد ثبتت بالأدلة القاطعة المبينة في علم الكلام [4] ، وهي متوقفة [5] على ثبوت النسخ لبعض شرع
(1) وفي (ب) : ( ... أي: كل كافر، وفي كل حال، وفي كل زمان ... ) .
(2) يسمى النص الثاني مخصصًا إذا كان العموم غير مراد في الأصل (أي النص الأول) ، بمعنى أن
... الحكم يتعلق ببعض أفراد العام في أول الأمر، وإلاّ يكون الإخراج نسخًا جزئيًا عند بعض الأصوليين.
والنسخ الجزئي ـ عند الأحناف ـ هو التخصيص بالنص المستقل المنفصل، أو ما يسمى ببيان التبديل أو التغيير.
ينظر: المستصفى: 1/ 71، والوجيز: د. زيدان، 389، وأصول الفقه الإسلامي:
... د. الزحيلي، 2/ 942 ـ 943، وأصول الفقه الإسلامي: د. الزلمي، 309.
(3) بين أهل الشرائع ما عدا اليهود ـ وعلى إختلاف فيما بينهم ـ، وإتفق جمهورالمسلمين على جوازه
... ووقوعه، بل نقل الفخر الرازي الإجماع عليه بين المسلمين، إلاّ ما نقل عن أبي مسلم الأصفهاني،
... الذي أنكر ـ على الصحيح ـ وقوع النسخ في القرآن فقط.
فقد ذكره بعض العلماء من بين المنكرين للنسخ، وبعضهم عدّوا قوله وخلافه مع باقي العلماء
... خلافًا لفظيًا لا غير، وآخرون وصفوا المنكرين للنسخ من المسلمين بالإبتداع والشذوذ.
ينظر لزيادة التفصيل: إحكام الفصول: 1/ 324، والوصول إلى الأصول: 2/ 13، وشرح اللمع:
... 2/ 187، والمحصول: ق 3/ 1 / 440، ومنتهى الوصول: 113، والجامع لأحكام القرآن:
... 2/ 44، وشرح تنقيح الفصول: 132، وميزان الأصول: 2/ 983، وكشف الأسرار:
... 3/ 157 ـ 158، وغرائب القرآن: 1/ 359، وشرح المنار: 710، وإرشاد الفحول: 2/ 52 ـ 53، والنسخ عند الأصوليين: 39.
(4) ينظر: شرح المقاصد: 5/ 25 ـ وما بعدها، والمواقف في علم الكلام: 349 ـ وما بعدها،
... وشرح الدواني على العقائد العضدية: 202 ـ 203، والقول الفصل: 279 ـ وما بعدها، وإظهار
... الحق: 2/ 151 ـ وما بعدها، والألطاف الإلهية: 2/ 404 ـ وما بعدها، وأصول الدين الإسلامي
...: 289 ـ وما بعدها، والكوكب الأزهر: 117 ـ وما بعدها.
(5) يقول الفخر الرازي:"ولقائل أن يقول: لا نسلم أن نبوة محمد (- صلى الله عليه وسلم -) لا تصح إلاّ مع القول بالنسخ،"
... لأن من الجائز أن يقال: إن موسى وعيسى (عليهما السلام) أمرا الناس بشرعهما إلى زمان ظهور
... شرع محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ثم بعد ذلك أمرا الناس بإتباع محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ..."فهو تخصيص بالغاية لا نسخ."
المحصول: ق 3/ 1 / 442 ـ 443، والتفسيرالكبير: 3/ 247، وينظر: البحر المحيط: 4/ 72.