8 ـ لم يشر إلى الخلاف الواقع بين علماء السلف والمتأخرين من الأصوليين وغيرهم في موضوع النسخ من حيث التعميم والتخصيص في لفظ النسخ وفهمه وإطلاقه. وهذا مما لابدّ من التنويه إليه لفهم كلام السلف والعلماء في المقصود.
فقد توصل البحث إلى مجموعة من النتائج والحقائق العلمية التي تتصل بحياة المؤلف وآثاره ودراسة كتابه (( التبيان في بيان الناسخ والمنسوخ من القرآن ) )وموضوع النسخ نوجز أهمها في الآتي:
1.ولد ابن الخياط عام (1253 هـ -1838 م) في أسرة علمية، وتعلق بالعلم منذ صغره، وكانت نشأته العلمية بين محل ولادته قرةداغ والسليمانية وبغداد، حيث نشأ في بيئة علمية شأنه في ذلك شأن سائر طلاب الدراسات الإسلامية في مدارس كردستان، وكانت في قرةداغ والسليمانية وبغداد في حينه مدارس شهيرة وعلماء أفذاذ بررة. أخذ ابن الخياط معظم علومه من والده الشيخ الملا محمد إبن الخياط القرةداغي، ثم تلمذ عند الشيخ محمد فيضي الزهاوي (المفتي الزهاوي) ، وغيره من مشاهير العلماء إلى أن أخذ الإجازة العلمية وتصدر للتدريس في قرةداغ وفي كركوك وفي بغداد، وصرف جل حياته في الدراسة والتدريس والتأليف، إلى ان لبى نداء ربه سنة (1335 هـ- 1917 م) فدفن في مدرسته ببغداد بتكية بابا طورطور.
2.على الرغم من الظروف السياسية والإقتصادية الحرجة التي مرت بها كردستان في عصر إبن الخياط من الحروب والمجاعة، إلا أنّ الحياة العلمية كانت رائجة مزدهرة، نظرًا للعناية الوفيرة التي بذلها أبناء المنطقة بالعلم وأهله، فضلًا عن جهود علماء الكرد وعدم توانيهم وتقصيرهم لرفع مستوى التعليم والدراسة في كردستان إخلاصًا منهم في خدمة الدراسات القرآنية والعلوم الإسلامية، وكان للعامل الإجتماعي المتمثل في تشجيع العلم وتقدير العلماء لدى عامة الشعب ووجهاء الناس وصرف ما بوسعهم أثر كبير في تنشيط المراكز العلمية والمدارس الدينية والشرعية.
3.أحيا البحث صفحات منسية من سيرة ابن الخياط و سيرة أبناء أسرته، وتكفل بتعريف آثاره الموجودة والمفقودة ما وجد إلى ذلك سبيلًا، من الإشارة إلى أماكن وجودها ومواطن ذكرها في كتب التراجم والتأريخ، ووقف على معلومات متعلقة بآثاره الموجودة من مصادر مؤلفاته وأوضح شيئًا من منهجه فيها.
4.خصص البحث مبحثًا مستقلًا لبحث النسخ في القرآن الكريم الذي يعد من أهم العلوم المتعلقة بالقرآن، والذي يجب على القاضي والمفتي والمفسر معرفة مواقعه، مبينًا المباحث الضرورية التي لا يستغني عنها الباحث في الدراسات القرآنية، وذكر الباحث ما تبين له خلال البحث في الموضوع بعد دراسة الآراء والمذاهب، المتمثل في:
أ. تبين للبحث أن النسخ في القرآن الكريم بمعنى الإزالة والرفع، والذي عليه المتأخرون والأصوليون لا مانع منه عقلًا، ويفهم المتتبع لآراء علماء السلف إتفاقهم على الجواز العقلي، أما وقوعه فهو المختلف فيه بين العلماء -القدامى والمحدثين-، ويكمن خلافهم في وجود المنسوخ في القرآن الكريم بهذا المعنى، أو الإختلاف في المواقع التي تعد منسوخًا بمعنى الإزالة والرفع.
وكان المتقدمون من الصحابة والتابعين لا يقصرون لفظ النسخ على الإصطلاح المتأخر، بل يريدون به تخصيص العام وتقييد المطلق وتفسير المشكل وبيان المجمل وغيرها، أما المتأخرون فأطلقوه على الرفع والإزالة، ومما يبدو أن النسخ بهذا المعنى ورد أيضًا عند السلف كما أشار إليه ابن القيم والشاطبي [1] ، وإن اختلفوا في مواضعه.
(1) ينظر: إعلام الموقعين: 1/ 35، والموافقات: 3/ 81، والناسخ والمنسوخ للهروي - الفهارس-: 306 - وما بعدها.