فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 255

(( سورة التوبة ))

ـ وفي هذه السورة من الآيات الناسخة قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [1] .

ذهب بعض المسلمين إلى ما (قال) [2] قتادة وعطاء وسفيان الثوري و آخرون [3] من: أن القتال في الأشهر (الحرام) [4] كان حرامًا [5] ، ثم نسخ بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [6] يعني: في الأشهر (الحرام) [7] وفي غيرهن [8] .

أقول: لا يخفى أن: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [9] ظاهرة لعموم من الأفراد لا من البقاع [10] ، والذي يظهرعمومه فيها قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [11] ، وفي آية أخرى: { ... حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [12] ، فالقول بالنسخ بها أولى ـ فتأمّل ـ [13] .

واختار آخرون ما قاله غيرهم ـ ومنهم إبن جريج: ـ أنه غير منسوخ [14] ، بل يحرم علينا القتال فيها إلاّ أن يقاتلونا فيها، فاختاره عطاء بن أبي رباح وحلف عليه بالله [15] .

(1) (36 / التوبة 9) .

(2) كذا في الأصل، والصحيح (قاله) .

(3) ومنهم: الزهري.

(4) كذا في الأصل، والأولى (الحرم) .

(5) لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ ... } (217/البقرة 2) .

(6) (36 / التوبة 9) .

(7) كذا في الأصل، والأولى (الحرم) .

(8) ينظر: جامع البيان: 2/ 206، ومعالم التنزيل: 2/ 345، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 23

... ـ 24، والجامع لأحكام القرآن: 3/ 43 ـ 8/ 134 ـ وهو الصحيح عنده، ولباب التأويل: 2/ 21.

(9) (36 / التوبة 9) .

(10) والكافة: الجماعة، يقال: لقيتهم كافة، أي: كلهم. ينظر: لسان العرب المحيط: 3/ 278 مادة (كفف) ، ومختار الصحاح: 239.

(11) (191 / البقرة 2) و (91 / النساء 4) .

(12) (5 / التوبة 9) و (89 / النساء 4) .

(13) وإليه ذهب إبن حزم وإبن سلامة والأسفرائني والمكي وإبن الجوزي وعزاه إبن العربي إلى

... المحققين، وبه قال إبن خزيمة والعتائقي. الناسخ والمنسوخ: إبن حزم، 28، والناسخ والمنسوخ: إبن سلامة، 88، والناسخ والمنسوخ: الأسفرائني: و: (3) ، والإيضاح: 134، والمصفى: 201، وأحكام القرآن: إبن العربي،

... 1/ 147، والموجز: 265، والناسخ والمنسوخ: العتائقي، 34.

يقول الهروي:"والناس اليوم بالثغور جميعًا على هذا القول، يرون الغزو مباحًا في الشهور كلها ـ حلالها وحرامها ـ ولا فرق بين ذلك عندهم، ثم لم أر أحدًا من علماء الشام ولا العراق ينكره عليهم، وكذلك أحسب قول أهل الحجاز، والحجة في إباحته عند علماء الثغور قول الله تباركوتعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ."

الناسخ والمنسوخ: 208، وينظر: الناسخ والمنسوخ: قتادة، 488.

(14) وبه قال مجاهد وعطاء أيضًا. ينظر: الإيضاح: 134.

(15) أخرج الهروي والطبري وغيرهما عن إبن جريج قال: قلت لعطاء: ما لهم إذ ذاك، لم يحل

لهم أن يغزوا في الشهر الحرام ثم غزوهم بعد، قال: فحلف لي بالله ما يحل للناس أن يغزوا في

... الحرم ولا في الشهر الحرام إلاّ أن يقاتلوا، وما نسخت. ينظر: الناسخ والمنسوخ: الهروي، 207، ونحوه في جامع البيان: 2/ 206، ومعالم التنزيل: 2/ 345، والكشاف: 2/ 188، وأحكام القرآن: إبن العربي، 1/ 147، والتفسير الكبير: 16/ 34، والجامع لأحكام القرآن: 3/ 43، ولباب التأويل: 2/ 221.

وخلاصة القول في الآية:

إن الراجح ـ والله أعلم ـ: أن الأصل تحريم القتال في الأشهرالحرم، وآية: {حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} أو: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} أو: {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} ،عامة لجميع الأزمنة، وآية تحريم القتال خاصة، والعام لا ينسخ الخاص، ثم إذا أمعنا النظر نرى أن الآية: { ... حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (5 / التوبة 9) علقت الحكم بقتل المشركين على إنسلاخ الأشهر الحرم، فكيف يحتج بها على نسخ القتال في الأشهرالحرم، وآية: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} (36 / التوبة 9) مطلق، ولا يكون المطلق ناسخًا للمقيد. فإذا أمكن الجمع بين الناسخ والمنسوخ لا يقال بالنسخ ـ كما سلف ـ. ومال إلى عدم النسخ في الآية الطبري و إبن العربي والفخر الرازي وغيرهم.

أمّا ما يتعلق بمحاربته (- صلى الله عليه وسلم -) هوازن بحنين، وثقيفًا بالطائف، وإرساله أبي عامر إلى أوطاس في الأشهرالحرم، ووقعة حنين والطائف في سنة ثمان من الهجرة مع أن نزول آية تحريم القتال في الأشهر الحرم في السنة الثانية ... فيمكن الجمع: بأن هذه الوقائع كانت دفاعًا عن النفس وجزاءً لما هو أكبر من القتال، فلا يلزمنا هذا النسخ، فحيثما كان القتال في الأشهر الحرم عقوبة لما هوأكبر منه يباح حينئذٍ، يقول سبحانه: {وَالْفِتْنةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ} (191/البقرة 2) ، ويقول تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ} (217 / البقرة 2) .

تنظر التفصيلات في: جامع البيان: 2/ 206، وأحكام القرآن: إبن العربي، 1/ 147، والتفسير الكبير: 16/ 34، والبيان: 304 ـ 305، والنسخ في الشريعة الإسلامية: 128، ودراسات الإحكام والنسخ:151 ـ وما بعدها، والنسخ في القرآن الكريم: د. محمد صالح، 50، والتبيان: 132 ـ 133، ومباحث قرآنية: و: (76 / أ و 76 / ب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت