فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 255

ذهب بعض المفسرين إلى ما روي عن إبن عباس (- رضي الله عنه -) من: أَنَّ هذه الآية نزلت قبل سورة براءة، فأمره (- عليه السلام -) أَنْ يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ ذلك وأمره بالجهاد مطلقًا [1] . فمعنى الآية ـ والله أعلم ـ: ولئن صبرتم عن القتال، فلمّا أعزّ الله الإسلام نسخها بقوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [2] .

والأَصح عندي: ما اختاره كثيرون كمجاهد والشعبي والنخعي وغيرهم من: أنها محكمة، والمراد: أنّ من ظلم ظلامة فلا يحل أن ينال من (الظالم) [3] أكثر مما فعله [4] .

(( سورة الحج ))

ـ وفي هذه السورة قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [5] .

أي: جاهدوا مع الكفرة في سبيل الله بحيث تستفرغ الطاقة فيه [6] ، أو المراد: مجاهدة النفس والهوى في المشتهيات، المسماة بالجهاد الأكبر [7] ، أو: كلمة حق تقال عند أمير جائر [8] ، بأن يتكلم بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، فلانسخ [9] .

(1) وهو المروي عن الضحاك كذلك. ينظر: جامع البيان: 14/ 132، ومعالم التنزيل: 3/ 104،

... ونواسخ القرآن: 189، ولباب التأويل: 3/ 143، والدرالمنثور: 14/ 179 ـ 180، وروح المعاني: 14/ 381.

(2) (89 / النساء 4) . ينظر: نواسخ القرآن: 189.

(3) وفي (ب) : (الظلم) ، وهو سهو من الناسخ.

(4) وهو المروي عن إبن سيرين كذلك. ينظر: جامع البيان: 14/ 132، ومعالم التنزيل: 3/ 104، والمصفى: 209، ونواسخ القرآن: 189، والتفسيرالكبير: 20/ 143، ولباب التأويل: 3/ 143.

يقول الخازن:"قال بعضهم: الأصح أنها محكمة، لأن الآية واردة في تعليم حسن الأدب في كيفية إستيفاء الحقوق، وفي القصاص وترك التعدي، وهو طلب الزيادة، وهذه الأشياء لا تكون منسوخة فلا تعلق لها بالنسخ ـ والله اعلم ـ". لباب التأويل: 3/ 143. وقال ابن الجوزي في معناها ـ بعد أن يرى أن الصحيح إحكامها ـ:"... ولئن صبرتم عن المثلة لا عن القتال ..."نواسخ القرآن: 189.

(5) (78 / الحج 22) .

(6) وهو المروي عن ابن عباس (- رضي الله عنه -) . ينظر: معالم التنزيل: 3/ 354، ولباب التأويل: 3/ 299.

(7) وبهذا فسره عبد الله بن المبارك. ينظر: معالم التنزيل: 3/ 354، وروح المعاني: 17/ 309.

وتسمية جهاد النفس بالجهاد الأكبر ورد في حديث جابر (- رضي الله عنه -) قال: قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) من غزاة له،

فقال لهم رسول الله: (- صلى الله عليه وسلم -) : (( قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟. قال: مجاهدة العبد هواه ) ). ينظر: كشف الخفاء: 1/ 511، وتأريخ بغداد: 13/ 2.

وقال فيه ابن تيمية:"لا أصل له". ينظر: الفرقان: 44 ـ 45.

فحصل الخلاف فيه بين العلماء كحديث، أمّا كمصطلح فقد أستعمل مرادفًا لجهاد النفس منذ عهدالتابعين، كما نقل عن إبراهيم بن أبي عبلة وأبي سليمان الداراني وغيرهما. تنظر التفصيلات في: معالم التنزيل: 3/ 354، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 173،والجامع لأحكام القرآن: 13/ 364 ـ 365، وسير أعلام النبلاء: 6/ 625، وغرائب القرآن: 17/ 137، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: 4/ 343 ـ 344.

(8) أخرج أبوداود في سننه: 4/ 124 برقم (4344) ، وإبن ماجه في سننه: 2/ 1329 برقم (4011) ، والترمذي في سننه: 4/ 471 برقم (2174) عن أبي سعيد الخدري (- رضي الله عنه -) عنه (- صلى الله عليه وسلم -) قال: (( أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ) ).

وورد عن طارق بن شهاب البجلي الأحمسي (- رضي الله عنه -) بلفظ: أن رجلًا سأل النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال (( كلمة حق عند سلطان جائر ) ). رواه النسائي بسند صحيح في سننه: 7/ 161 برقم (4209) ، وحسنّه المنذري في الترغيب والترهيب: 3/ 168.

(9) ينظر: جامع البيان: 17/ 142، والتفسيرالكبير: 23/ 73، ومدارك التنزيل: 3/ 299،

ولباب التأويل: 3/ 299، وأنوار التنزيل: 4/ 142 ـ 143، والدرالمنثور: 6/ 78، وروح المعاني: 17/ 308 ـ 309.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت