أحمده وأشكره [1] وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له شهادة أتوسل بها [2] إلى النجاة في دار القرار، وأشهد أن سيّدنا محمدًا (- صلى الله عليه وسلم -) خاتم أنبيائه [3] ، وأفضلهم [4] المبعوث إلى كافة الأنام [5] ليرشدهم إلى الخلاص من عذاب النار.
وبعد: فيقول أفقر الخلق إلى عفو مولاه عبدالرحمن بن مولانا محمد الشهير بـ (( ابن الخياط القرداغي ) ): // 1 / ب //
لمّا كانت مسألة النسخ من أجلّ المطالب الدينية، وأهم المآرب اليقينية، فإن صحته مبنى لتشريع الشرائع [6] ، ومن المنكرين له بعض الطوائف [7] ، ألّفت فيها رسالة متضمنة لما هو الأهم، وبيّنت فيها ما هو منسوخ قطعًا وما يحتمله وعدمه من الآيات القرآنية [8] . وكانت الداعية القوية إلى ذلك: إني دخلت مكانًا إجتمع فيه الأكابر [9] ، وقد كان هناك قارٍ يقرأ القرآن، فقرأ آية في سورة الشعراء، وهي قوله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
(1) إختلف العلماء في الفرق بين الحمد والشكر، فذهب الطبري والمبرد إلى عدم الفرق، بينما ذهب
... آخرون إلى أن الحمد أعم من الشكر، أو أن الشكر أعم كما قاله آخرون.
ينظر: لسان العرب: 3/ 155 مادة (حمد) ، وحواشي مختصر التفتازاني: 2 ـ 3، والضياء
... اللامع: 1/ 116 ـ مع تعليقات الدكتور عبد الكريم بن علي النملة.
(2) لا خلاف بين العلماء في جواز وإ ستحباب هذا النوع من التوسل، وهو توسل الإنسان بعمله
... الصالح ـ من الواجبات أو المندوبات ـ، وقد ورد فيه أحاديث صحيحة، منها حديث قصة
... أصحاب الغار الثلاثة وتوسلهم بصالح أعمالهم كما في الصحيحين.
ينظر لمزيد التفصيل: صحيح البخاري:3/ 1278 الحديث المرقم (3278) ، وصحيح مسلم:
4/ 2099 الحديث المرقم (2743) ، وشرح النووي على صحيح مسلم: 17/ 47، وقاعدة
... جليلة في التوسل والوسيلة: 50 ـ وما بعدها، ونور الإسلام: 116 ـ 117.
(3) يقول: - عز وجل: مَا كَانَ مُحمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ الله بِكُلِّ
... شَيْءٍ عَلِيمًا (40 / الأحزاب 33) .
ويقول (صلى الله عليه وسلم) عن نفسه: (( ... وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد ) ). رواه مسلم في صحيحه: 4/ 1828 برقم (2354) عن جبير بن مطعم (- رضي الله عنه -) .
(4) يقول (صلى الله عليه وسلم) : (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ... ) ).
رواه مسلم في صحيحه: 4/ 1782 برقم (2278) عن أبي هريرة (- رضي الله عنه -) . ويقول الإمام النووي
... (رحمه الله) في شرحه:"... وأما قوله (صلى الله عليه وسلم) :"يوم القيامة"مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة،"
... فسبب التقييد: أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى مناع ولا معاند ونحوه، بخلاف الدنيا،
... فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين ...". شرح النووي على صحيح مسلم:"
(5) ويقصد بـ (الأنام) هنا: الجن والإنس، كما في قوله تعالى: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ}
... (10 / الرحمن 33) .
ينظر: مجمع البيان: 9/ 331، ولسان العرب المحيط: 1/ 117 مادة (أنم) ، وحاشية شيخ
... زادة: 4/ 332.
(6) فمن شروط المجتهد الذي يستنبط الحكم من الشريعة: أن يكون عارفًا بالناسخ والمنسوخ ومواضعه،
... مخافة أن يقع في الحكم المنسوخ.
ينظر: إعلام الموقعين: 1/ 46، والبحر المحيط: 6/ 203، وإرشاد الفحول: 2/ 210،
... وأصول الفقه الإسلامي: الزحيلي، 2/ 1046.
(7) سيأتي تفصيل القول فيهم في ص ... ـ وما بعدها من هذه الرسالة.
(8) يقول في ذلك الشاطبي (رحمه الله) :"أن غالب ما أدعى فيه النسخ إذا تأمل وجدته متنازعًا فيه،"
... ومحتملًا أو قريبًا من التأويل بالجمع بين الدليلين على وجه، من كون الثاني بيانًا لمجمل، أو تخصيصًا
... لعموم، أو تقييدًا لمطلق، وما أشبه ذلك من وجوه الجمع، مع البقاء على الأصل من الأحكام في
... الأول والثاني ...". الموافقات: 3/ 80."
(9) ويقصد بهم العلماء وذوو المنازل الرفيعة في المجتمع.