فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 255

ذهب بعض المفسرين إلى أنه جارٍ في صدر الإسلام الأكل من هذه البيوت بغير إِذن مالكها بدليل هذه الآية، ثم نسخت بقوله (- عليه السلام -) : (( لا يحل مال إمرئٍ مُسلمٍ إلاّ عن طيبِ نفس ) ) [1] ، ويدل عليه قوله تعالى: {إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ... } [2] ، فقد كان في أزواج النبي (- صلى الله عليه وسلم -) من لهن الآباء والأخوال مع أنه نهى عن (الدخول) [3] بلا إذن بالعموم ـ إنتهى ـ [4] .

أقول: إذا قيل بالنسخ فالأولى أن يقال بنسخه بآية: {. . . وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [5] للخلاف في جواز نسخ الآية بالحديث (الغير المتواتر) [6] ، على أن قوله ويدل عليه إلى آخره محال، لأن آية: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... } [7] في المنع من الدخول، // 36 / ب // وهذه الآية في جواز الأكل إلاّ أن يقال يلزم من الأكل في بيوتهم الدخول فيها، فتفيد الآية جواز الدخول بلا إذن [8] .

(1) أخرجه الدارقطني في سننه: 3/ 26 برقم (92) عن أبي حرة الرقاشي عن عمه، والبيهقي في

... السنن الكبرى: 6/ 100 برقم (11335) ، والهيثمي في مجمع الزوائد: 3/ 265 و 4/ 172

... وعزاه إلى أبي يعلى، ونحوه أحمد في مسنده: 5/ 113 برقم (21119) عن عمرو بن يثربي.

(2) (53 / الأحزاب 33) .

(3) وفي (ب) : (الأخوال) ، وهو تحريف.

(4) ينظر: التفسيرالكبير: 24/ 37، والجامع لأحكام القرآن: 12/ 316، وغرائب القرآن: 18 /

117، وروح المعاني: 18/ 323.

وقيل في نزولها أقوال أخرى، ينظر للتفصيل: أسباب النزول: الواحدي، 223، ومعالم التنزيل: 3/ 430 ـ وما بعدها، وأحكام القرآن: إبن العربي، 3/ 1402.

(5) (188 / البقرة 2) . وهو قول إبن زيد وأبي عبيد. ينظر: الإيضاح: 231، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 179.

ولكن يرد على هذا القول ما يضعفه، فقد روي عن إبن عباس (- رضي الله عنه -) قوله:"لما نزلت وَلا تَأْكُلُوا"

... أَمْوَالَكُمْ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وإِنّ الطعام من أفضل

... أموالنا، فلا يحل لأحد أن يأكل عند أحد، فكفّ الناس عن ذلك فأنزل الله (- عز وجل -) : لَيْسَ عَلَى

... الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ

... بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ

... أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ

... أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ... .

وأخرج الهروي عن إبن عباس (- رضي الله عنه -) أيضًا ـ ما خلاصته ـ: أنه لمّا نزل قوله: وَلا تَأْكُلُوا

... أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ أمسك المسلمون عن النيل من طعام الناس وإن كان بإذنهم، تورعًا من أن يكون ذلك الأكل بالباطل، إذ لم يستحقوه بعمل يعملوه لهم حتى أخبرهم سبحانه أن هذا ليس مما حرّم، وأنه لاحرج عليهم فيه.

ولا شك أن هذا مما يرفع دعوى التعارض والنسخ بين الآيتين. وكذلك روي عنه: أنه لمّا نزلت:

... {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} تحرج المسلمون عن مؤاكلة الأعمى، لأنه لا يبصر موضع

... الطعام الطيب، والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء

... الطعام، فأنزل الله تعالى آية: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ ... } .

ينظر: الناسخ والمنسوخ: الهروي، 243 ـ 245 ـ وما بعدها، والسنن الكبرى للبهيقي:7/ 274 برقم (14377) ، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 179 ـ 180، وروح المعاني:18/ 309.

فتبيّن مما سبق أن الآية التي ادعي أنها ناسخة قد نزلت قبل الآية التي زعم نسخها بها وهذا لا

... يجوز. لذا قال إبن الجوزي في حق القائلين بهذا:"وليس هذا بقول فقيه".

ينظر: أحكام القرآن: إبن العربي، 3/ 1402، ونواسخ القرآن: 201، والنسخ في القرآن الكريم: د. مصطفى زيد، 2/ 761 ـ 762.

(6) كذا في الأصل، والصحيح (غير المتواتر) .

(7) (53 / الأحزاب 33) .

(8) وإليه ذهب أكثر أهل التأويل ـ كما نقل عنهم المكي ـ، وجماعة من أهل العلم ممّن يقتدى بقولهم

... ـ كما قاله القرطبي ـ منهم: سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، ومروي عن عائشة أيضًا.

ينظر: الإيضاح: 322، والناسخ والمنسوخ: إبن العربي، 180، والجامع لأحكام القرآن: 12/ 312.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت