أمّا ما يتعلق بالحكمة من النسخ، فلا يخفى أن الدعوة في طور نشأتها الأولى تختلف عن طور البناء والتكوين، فحكمة التشريع في هذه غيرها في تلك، ولا ريب أنه تعالى المشرع للأحكام، وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وله الأمر والنهي، ولا يسأل عما يفعل، فلا غرابة في أن يرفع تشريعًا بآخر، مراعاة لمصلحة العباد ورحمة بهم ورأفة.
وقد فصّل العلماء القول في الحكمة من النسخ على ضوء الشريعة الإسلامية، ومنهم الإمام الفخر الرازي (ت 606 هـ) الذي بيّن فلسفة النسخ بقوله:"إن الشرائع قسمان، قسم منها يعرف نفعه بالعقل، والآخر سمعي لا يعرف، فالأول لا يطرأ عليه النسخ، لأن مجامعها التعظيم لأمر الله والشفقة على الخلق، والثاني يطرأ عليه النسخ والتبديل، وفائدة نسخها دفع ظن مطلوبية ذات العبادة نتيجة تَعَوّد العباد عليها، فيمنعهم الوصول إلى المقصود، فالنسخ يرفع هذا الوهم عن أذهانهم ويجعلهم يقصدون الله ويمجّدونه فقط. وقيل: حفظ مصالح العباد، وقيل: بشارة برفع الخدمة عنهم، ورفع مؤنتها في الدنيا مؤذن برفعها في الجنة [1] ".
(1) ينظر: المطالب العالية ـ بتصرف ـ: 8/ 124، ونقل نصّه الشوكاني في: إرشاد الفحول: 2/ 53 ـ 54.