من ستة وأربعين جزاءً من النبوة [1] .
ووجه كون الرؤيا الحسنة جزءًا من النبوة محتمل لأمور ذكرها ابن حجر - رحمه الله - وهي باختصار:
الأول: أن الرؤيا إن وقعت من نبي فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز.
الثاني: أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة.
الثالث: أنها جزء من عِلْمِ النبوة؛ لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق [2] .
وأمَّا ابن عبدالبر فقال في وجه كون الرؤيا الحسنة جزءًا من النبوة: (وقد يحتمل أن تكون الرؤيا جزءًا من النبوة لأن فيها ما يعجز ويمتنع كالطيران، وقلب الأعيان، ولها التأويل الحسن، ورُبَّما أغنى بعضها عن التأويل) [3] .
وهذه الأقوال كلها محتملة، ولا تعارض بينها، فهي متوافقة غير متدافعة ولا متعارضة. ولايلزم منها أن تكون النبوة باقية لبقاء جزء منها، وذلك لأن جزء الشيء إذا ثبت فلايلزم من ذلك كون الشيء ثابتًا موجودًا، كمن قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله رافعًا صوته لايسمى مؤذنًا، ولايُقال إنه أذن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو
(1) الحديث أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الرؤيا، باب: ماجاء في الرؤيا عن أنس بن مالك أن رسول الله ? قال: ? الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ? ص 278، وأخرجه البخاري في التعبير، باب: رؤيا الصالحين رقم [6582] .
وللحديث روايات أخرى كثيرة فيها غير هذا العدد، ففي رواية أخرجها مسلم في صحيحه رقم [2263] من حديث أبي هريرة: ? ... جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة ? وفي أخرى عند مسلم أيضًا رقم [2265] من حديث ابن عمر: ? جزء من سبعين جزءًا من النبوة ?. وانظر في التوفيق بين هذه الروايات: التمهيد لابن عبدالبر 1/ 283، وفتح الباري لابن حجر 12/ 380 - 385.
(2) انظر: فتح الباري لابن حجر 12/ 380.
(3) التمهيد 1/ 285.