وأقبل، وتعال، أي ذلك قلت أجزأك.
وقد أسهب ابن جرير الطبري في تقرير هذا القول، وكذلك أبو جعفر الطحاوي، وذكرا أن إنزال القرآن على سبعة أحرف كان لحكمة التيسير والتسهيل على الناس في بداية الأمر؛ إذ كانوا أميين لايكتبون، إلاَّ القليل منهم، فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلاَّ بمشقة عظيمة؛ فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقًا، فكانوا كذلك حتى كثر من يكتب منهم، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فبان بذلك أن تلك السبعة الأحرف إنَّما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثُمَّ ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد [1] .
واختيار الصحابة لحرف واحد من الأحرف السبعة ليس فيه محذور، ولايترتب عليه ما يخل بحفظ القرآن الكريم؛ لأن القراءة بأي حرف من الأحرف السبعة جائزة، وكل حرف من هذه الأحرف كاف شاف كما جاء ذلك في الأحاديث، والقارئ مخيرٌ بالقراءة بأي حرف منها، كما أن الذي عليه كفارة يمين مخير بأن يكفر بأي نوع من أنواع الكفارات، فإذا كفر بواحد منها فقد أدى ما عليه، ولم يقع في محذور، وكذلك من قرأ بحرف واحد من الأحرف السبعة فقد أدى ما عليه ولم يقع في محذور، وقد كان سبب اقتصارهم على حرف واحد من هذه الأحرف السبعة هو خوفُ الوقوع في المراء في القرآن الذي هو كفر، وخوفُ الاختلاف والتنازع كما هو واضح من حديث أنس في قصة حذيفة مع عثمان - رضي الله عنهم أجمعين [2] -.
قال ابن عبدالبر - رحمه الله: (وإذا أبيح لنا قراءته على كل ما أنزل فجائز الاختيار فيما أنزل عندي - والله أعلم -) [3] ا هـ.
(1) انظر: تفسير الطبري 1/ 58 - 67، وانظر: كتاب الطحاوي شرح مشكل الآثار 8/ 125 - 130.
(2) سبق ذكره وتخريجه ص 178.
(3) التمهيد 8/ 279.