سيكون قبل أن يكون، وكيف يكون ما علم أنه سيكون وإلى متى يبقى ما قدّر أنه سيكون.
فهو - تعالى - قد علم ما يأمر به خلقَه ويتعبّدهم به، وما ينهاهم عنه قبل كل شيء، وعلم ما يُقرُّهم عليه من أوامره ونواهيه وما ينقلهم عنه إلى ما أراد من عبادته، وذلك منه تعالى لما فيه من الصلاح لعباده فهو يأمرهم بأمر في وقت لما فيه من صلاحهم في ذلك الوقت، وقد علم أنه يزيلهم عن ذلك في وقت آخر لما علم فيه من صلاحهم في ذلك الوقت الثاني.
فهو - تعالى - لم يزل مريدًا للفعل الأول إلى الوقت الذي أراد فيه نسخه، ومريدًا لإيجاب بدله أو إزالة حكمه لغير بدل في الوقت الذي أراد رفع حكم الأول، فينسخ بأمره مأمورًا به بمأمور به آخر ...
ونظير ذلك وتمثيله مِمَّا لا خفاء فيه على ذي لُبّ: أن الله - جلّ ذكره - قدّر في غيبه الأول بلا أمد تغييرَ الشرائع وتبديل الملل على ألسنة الأنبياء والمرسلين - صلى الله عليهم - واختلاف أحكامها كما أراد، فأتى كل رسول قومَه بشرع شرعه الله له مخالف لشرع مَن كان قبله من الرسل، بدليل قوله: ? لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"? [المائدة: 48] ، وذلك منه تعالى تعبّدٌ واختبار وابتلاء للطائع والعاصي، ولما عَلِمَ ما فيه من صلاح عباده، لِيعلَم منهم علم مشاهدة يقع عليه الجزاء لأهل الطاعة من أهل المعصية ..."
فالملل والشرائع كلها متفقة في أنها عبادة لله وطاعة له، وهي مختلفة في الهيئة والعدد والرتبة.
وكذلك الناسخ والمنسوخ كله عبادة لله وطاعة له وفرضٌ منه علينا، وفعله كله طاعة لله على ما رتبه وأمر به في أزمانه وأوقاته، وإن كان مختلفًا في الهيئة والصفة ... .
ولأجل ما أراد الله من النسخ للرفق بعباده والصلاح لهم أنزل القرآن شيئًا بعد شيء، ولم ينزله جملة واحدة؛ لأنه لو نزل جملة واحدة لم يجز أن يكون فيه ناسخ ولا منسوخ؛ إذ غير جائز أن يقول في وقت واحد: افعلوا كذا، ولاتفعلوا كذا - لذلك الشيء بعينه -.