التنبيه الثالث: قد ينسخ لفظ الخبر المحض دون مدلوله، وهذا جائزٌ بإجماع من قالوا بالنسخ، ويكون ذلك بأن تنزل الآية مخبرة عن شئ ثُمَّ تنسخ تلاوتها فقط، ومن ذلك ما صحّ من أخبار ذكر بعضها ابن عبدالبر - رحمه الله - عند كلامه عن منسوخ التلاوة والحكم، وأشرتُ فيما سبق أن الصحيح أنها تدخل في منسوخ التلاوة باقي الحكم، مثل ? بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ? و ? لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولايملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب ?، وغير ذلك من الأمثلة التي جاءت بلفظ الخبر ونسخت تلاوتها [1] .
ثانيًا: (لايكون النسخ إلاَّ فيما يتدافع ويتعارض) [2] .
وهذه قاعدة مهمة في موضوع النسخ، وهي تعتبر شرطًا من شروط صحة النسخ وذلك أن من شروط صحة النسخ أن يمتنع اجتماع الناسخ والمنسوخ، بأن يكونا متنافيين قد تواردا على محل واحد، يقتضي المنسوخ ثبوته والناسخ رفعه أو العكس [3] .
وبعبارة أخرى: يشترط لصحة النسخ تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع فلا نسخ لإمكان العمل بكل منهما [4] .
قال ابن عبدالبر - رحمه الله - في توضيح هذه القاعدة: (ولا سبيل إلى نسخ قرآن بقرآن، أو سنة بسنة، ما وجد إلى استعمال الآيتين أو السنتين سبيل) [5] ا هـ.
ومن الأمثلة التي توضح هذه القاعدة ما ذكره ابن عبدالبر - رحمه الله - في الجمع بين قوله تعالى: ? وَلاَ تَنكِحُوا ا؟ لْمُشْرِكَـ! ــتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ... ? الآية [
(1) انظر: كتاب قواعد التفسير جمعًا ودراسة لخالد بن عثمان السبت 2/ 732.
(2) انظر: الاستذكار 1/ 234.
(3) انظر: كتاب معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة لمحمد الجيزاني ص 258.
(4) انظر: كتاب الأصول من علم الأصول للشيخ محمد العثيمين ص 47.
(5) التمهيد 1/ 307.