ثانيًا: إن من حق كلام الله - عزوجل - وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحمل على الحقيقة لا على المجاز، ولا معنى لحمل الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما؛ لأن كلام الله - عزوجل - وكذا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم إنَّما يوجهان إلى الأشهر والأظهر من الوجوه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم.
وإذا عُلم هذا فإن القاعدة في حمل الكلام على المعنى المجازي: أن المجاز لايُصار إليه إلاَّ عند امتناع حمل اللفظ على الحقيقة.
فمتى أمكن حمل اللفظ على الحقيقة امتنع حمله على المجاز ووجب حمله على الحقيقة، ومتى امتنع حمله على الحقيقة حُمل على المجاز مع وجود القرينة الدالة على هذا الامتناع.
ومن القرائن الدالة على امتناع حمل الكلام على الحقيقة: أن تتفق الأمة على أنه أريد به المجاز، قال ابن عبدالبر: (ومن حق كلام الله أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز) [1] ا هـ.
ومن الآيات التي تحمل على المجاز لاتفاق العلماء على أن المعنى المجازي هو المراد منها قوله تعالى: ? وَهُوَ ا؟ لَّذِي فِي ا؟ لسَّمَآءِ إِلَـ! ــهٌ وَفِي ا؟ لأَرْضِ إِلَـ! ــهٌ"? [الزخرف: 84] وقوله: ? وَهُوَ ا؟ للَّهُ فِي ا؟ لسَّمَـ! ــوَ! تِ وَفِي ا؟ لأَرْضِ (? [الأنعام: 3] ."
قال ابن عبدالبر - رحمه الله: ( ... فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير، فظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش ... وأمَّا قوله في الآية الأخرى: ? وَفِي ا؟ لأَرْضِ إِلَـ! ــهٌ"? فالإجماع والاتفاق قد بين المراد بأنه معبود من أهل الأرض، فتدبر هذا فإنه قاطع إن شاء الله) [2] ا هـ."
(1) التمهيد 7/ 131.
(2) التمهيد 7/ 134.