العلماء، وهاجر كثير منهم من قرطبة، واتجهوا إلى مدن الأندلس الأخرى هربًا من الفتنة ونجاة بأنفسهم.
فعاشت الحركة العلمية فترة عدم استقرار من سنة 399 إلى 422 هـ، ثُمَّ جاء بعد ذلك عهد الطوائف، الذي أصبحت فيه الأندلس مجموعة من الدويلات المتفرقة في أنحاء البلاد ولم يعد هناك دولة واحدة تحكم البلاد، فانعكس ذلك على الحالة العلمية، واتسمت بسمات كثيرة:
منها: التنقل والارتحال، حيث كان العلماء ينتقلون من مدينة إلى أخرى طلبًا للاستقرار، فأثر ذلك على المستوى الثقافي والعلمي في البلاد، حيث قلّ إنتاج العلماء نوعًا ما بسبب عدم استقرارهم.
ومن سمات ذلك العهد أيضًا فيما يتعلق بالحياة العلمية: تعدد المراكز الثقافية، بعد أن كانت قرطبة هي المركز الثقافي الرئيسي؛ وذلك يعود إلى انتشار ملوك الطوائف في مدن الأندلس المختلفة واتخاذ كل دولة من هذه الدول إحدى المدن لتكون عاصمة لها، فتعددت المراكز الثقافية في ذلك العهد.
وكان ملوك الطوائف يتنافسون فيما بينهم في الاستحواذ على العلماء والاهتمام بهم ليكسبوا بذلك الشهرة والزعامة.
ثُمَّ إنّ هذه المراكز الثقافية كانت تصطبغ بصبغة اتجاهات أمراء وملوك الطوائف الثقافية، فمثلًا كان مجاهد العامري [1] (ت 436 هـ) يغلب عليه الاهتمام بالعلوم الشرعية كالفقه والحديث واللغة والقراءات، وكان مولعًا بعلم القراءات على الخصوص؛ لذلك كان كبار قراء الأندلس يحلّون دانية أمثال أبي عمرو الداني المقريء (ت 444 هـ) وغيره من علماء الحديث والفقه واللغة، كابن عبدالبر، وابن سيده اللغوي (ت 458 هـ) ، ولم يكن للشعراء في إمارته رواج؛ بل كان لايقربهم في مجالسه.
(1) هو: مجاهد بن يوسف (أو عبدالله) بن علي العامري، مؤسس الدولة العامرية، كان حازمًا يقظًا شجاعًا عارفًا بالآداب وعلوم القرآن، توفي سنة 446 هـ. انظر: الأعلام للزركلي 5/ 278.