ابن عبدالبر بقوله: (والمعنى أن يتمارى اثنان في آية يجحدها أحدهما ويدفعها ويصير فيها إلى الشك، فذلك المراء الذي هو الكفر ... وهذا يبين لك أن المراء الذي هو الكفر هو الجحود والشك كما قال عزوجل: ? وَلاَ يَزَالُ ا؟ لَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ? [الحج: 55] ) [1] ا هـ.
ويدخل في هذا الجدال المشكِّك؛ وذلك أنه إذا جادل في القرآن أدّاه إلى أن يرتاب في الآي المتشابهة منه، فيؤديه ذلك إلى الجحود، فسمّاه كفرًا باسم ما يُخشى من عاقبته إلاَّ من عصمه الله [2] .
القول الثاني: أن المراد المراءُ في قراءته دون تأويله ومعانيه، مثل أن يقول قائل: هذا قرآن أنزله الله تبارك وتعالى، ويقول الآخر: لم ينزله الله هكذا، فيكفر به من أنكره، وقد أنزل الله سبحانه كتابه على سبعة أحرف كلها شافٍ وكافٍ، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضًا يقرؤها، وتوعدهم بالكفر عليها لينتهوا عن المراء فيه والتكذيب به؛ إذ كان القرآن منزلًا على سبعة أحرف، وكلها قرآن منزل يجوز قراءته ويجب علينا الإيمان به [3] .
ويؤيد هذا القول سبب ورود الحديث وهو ما رواه الإمام أحمد عن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين اختلفا في آية من القرآن؛ قال هذا: تقليتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال هذا تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ? القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلاتماروا في القرآن فإن مراءً في القرآن كفر ? [4] .
وهذا ما اختاره الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام حيث قال: (وجه الحديث عندنا ليس على الاختلاف في التأويل ولكنه عندنا على الاختلاف في اللفظ، على أن يقرأ
(1) جامع بيان العلم وفضله 2/ 928.
(2) انظر: شرح السنة للبغوي 1/ 261.
(3) انظر: معالم السنن للخطابي مع سنن أبي داود 5/ 9.
(4) سبق تخريجه ص 180، وانظر: روايات هذا الحديث وما يؤخذ منه من فوائد في كتاب الأحرف السبعة للدكتور حسن ضياء الدين عتر ص 97 - 101.