ونهوا عن الجدال في الاعتقاد؛ لأنه يؤول إلى الانسلاخ من الدين، بسبب الدخول في مباحث لايدركها العقل، والخوض في ذات الله ووصفه بما لايليق به تعالى [1] .
قال ابن عبد البر - رحمه الله: (قال أبو عمر: وتناظر القوم وتجادلوا في الفقه ونهوا عن الجدال في الاعتقاد، لأنه يؤول إلى الانسلاخ من الدين، ألا ترى مناظرة بشر [2] في قول الله تعالى: ? مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَـ! ــثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ? [المجادلة: 7] قال: هو بذاته في كل مكان، فقال له خصمه: فهو في قلنسوتك وفي حشك وفي جوف حمارك - تعالى الله عما يقول - حكى ذلك وكيع [3] ، وأنا - والله - أكره أن أحكي كلامهم قبحهم الله، فعن هذا وشبهه نهى العلماء، وأمَّا الفقه فلايوصل إليه ولاينال أبدًا دون مناظرة فيه وتفهم له) [4] .
أخرج الإمام أحمد في مسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي [5] مجلسًا ما أحب أنّ لي به حُمْرَ النَّعَم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مَشْيَخَةٌ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسٌ عند باب من أبوابه، فكرهنا
(1) انظر: عقيدة ابن عبد البر في التوحيد والإيمان للدكتور سليمان الغصن ص 95.
(2) هو: بشر بن غياث البغدادي المريسي، المتكلم المناظر، كان من كبار الفقهاء، ونظر في الكلام فغلب عليه وانسلخ من الورع والتقوى، ودعا إلى القول بخلق القرآن، فمقته أهل العلم وكفّره بعضهم، توفي سنة 218 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 10/ 199 - 202.
(3) هو: وكيع بن الجراح بن مَلِيح الرُّؤَاسي، أبو سفيان الكوفي الحافظ، قال عبد البر بن أحمد، عن أبيه: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع ولا أحفظ منه. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، عاليًا، رفيع القدر، كثير الحديث، حُجّة. مات سنة 197 هـ، وقيل: 196 هـ. انظر: تهذيب التهذيب 4/ 311 - 314، وسير أعلام النبلاء 9/ 140 - 168.
(4) جامع بيان العلم وفضله 2/ 948.
(5) المتحدث: عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخوه هو محمد بن عمرو بن العاص، ذكر ذلك أحمد شاكر في تعليقه على الحديث في المسند 10/ 175.