قال أبو عمر: قد يأتي النهي بلفظ الخبر ويكون معناه النهي، وذلك موجود في كتاب الله كثير، نحو قوله: ? ا؟ لزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ? [النور: 3] جاء بلفظ الخبر ومعناه النهي، ومثله كثير.
وفي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ? أن لايمس القرآن إلاَّ طاهر ? بيان معنى قول الله عزوجل: ? لاَ يَمَسُّهُ ,% إِلاَّ ا؟ لْمُطَهَّرُونَ = 79 ? [الواقعة: 79] لاحتمالها للتأويل ومجيئها بلفظ الخبر.
وقد قال مالك في هذه الآية: إن أحسن ما سمع فيها أنها مثل قول الله عزوجل: ? كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ = 11 ... فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ , = 12 ... فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ = 13 ... مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةِ+ = 14 بِأَيْدِي سَفَرَةٍ = 15 ... كِرَامِ+ بَرَرَةٍ = 16 ? [عبس: 11 - 16] .
وقول مالك: أحسن ما سمعت، يدل على أنه سمع فيها اختلافًا، وأولى ما قيل به في هذا الباب ما عليه جمهور العلماء من امتثال ما في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حازم: ? أن لايمس القرآن أحد إلاَّ وهو طاهر ?، والله أعلم وبه التوفيق) [1] .
الدراسة:
مسألة اشتراط الطهارة لمس المصحف من المسائل التي اختلف فيها العلماء وتباينت آراؤهم.
وسبب الاختلاف في هذه المسألة هو عدم وجود نص صحيح صريح يقطع النزاع فيها، فالذين اشترطوا الطهارة لمس المصحف، وحرّموا على المحدث مسه - وهم الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة - استدلوا بقوله تعالى: ? إِنَّهُ , لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ = 77 فِي كِتَـ! ــبٍ مَّكْنُونٍ = 78 لاَ يَمَسُّهُ ,% إِلاَّ ا؟ لْمُطَهَّرُونَ = 79 ? [2] [الواقعة
(1) التمهيد 17/ 399 - 400.
(2) انظر أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية في: أحكام القرآن للجصاص 3/ 555، وأحكام القرآن لابن العربي 4/ 174 - 176، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 17/ 225 - 227، وروائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن للصابوني 2/ 472 - 474.