وقد صرّح بعض أهل العلم أن حفظ القرآن الكريم واجب على الأمة، فإن قام بذلك قوم فإنه يسقط الإثم عن الباقين، وإلاَّ أثموا جميعًا إذا لم يقم من تقوم الكفاية بهم بحفظ القرآن الكريم.
قال الزركشي في البرهان: (قال أصحابنا - رحمهم الله: تعليم القرآن فرض كفاية، وكذلك حفظه واجب على الأمة، صرّح به الجرجاني [1] في الشافي، والعبّادي [2] وغيرهما، والمعنى فيه كما قاله الجويني [3] : ألا ينقطع عدد التواتر فيه، ولايتطرق إليه التبديل والتحريف؛ فإن قام بذلك قومٌ سقط عن الباقين، وإلاَّ فالكل آثم) [4] ا هـ.
الأمر الثاني: كان الصحابة متفاوتين في الحفظ، قلة وكثرة، وإتقانًا وتجويدًا، ومنهم من كان يحفظ بعضه، ومنهم من كان يحفظ السور القليلة.
وأمَّا الذي لاينبغي أن يُشك فيه فهو أن القرآن كله كان محفوظًا عند الصحابة - رضي الله عنهم - حفظًا يحصل مع اليقين والقطع المفيد للتواتر، حيث كان مجموع
(1) هو: أحمد بن محمد بن أحمد القاضي، أبو العباس الجرجاني، كان إمامًا في الفقه والأدب، قاضيًا بالبصرة ومدرسًا بها، من تصانيفه الشافي في الفقه، وإشارات البلغاء، توفي سنة 482 هـ. انظر: طبقات الشافعية 3/ 31، والأعلام 1/ 214.
(2) هو: محمد بن أحمد بن محمد، أبو عاصم الهروي العبّادي القاضي الشافعي، كان إمامًا جليلًا حافظًا للمذهب، بحرًا يتدفق بالعلم، له من التصانيف الزيادات، وأدب القضاء وغيرها، توفي سنة 458 هـ. انظر: طبقات الشافعية 3/ 43.
(3) هو: الإمام الكبير، شيخ الشافعية، إمام الحرمين، أبو المعالي، عبدالملك بن الإمام أبي محمد عبد الله ابن يوسف، الجويني، ثُمَّ النيسابوري، صاحب التصانيف، ومع إمامته في الفروع وأصول المذهب الشافعي فقد كان لايدري الحديث كما يليق به لا متنًا ولا إسنادًا. توفي سنة 478 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 468 - 477.
(4) البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/ 88 - 89. وانظر: المجموع للنووي 1/ 26.