ومع ذلك فالأفضل للمسلم أن يتطهر لذكر الله تعالى لما ثبت عن المهاجر بن منقذ أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثُمَّ اعتذر إليه فقال: ? إني كرهت أن أذكر الله تعالى ذكره إلاَّ على طهر ? [1] .
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي الجهم قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على جدار فمسح بوجهه ويديه ثُمَّ ردّ السلام [2] .
فهذان الحديثان يدلان على كراهة ذكر الله على غير طهارة - ولاشك أن قراءة القرآن أفضل الذكر -، والأدلة السابقة تدل على جواز القراءة على غير وضوء، فيُجمع بين الأدلة بأن تحمل أدلة الكراهة على استحباب الطهارة لذكر الله وقراءة القرآن، فالكراهة كراهة تنزيه لا تحريم [3] .
وأمَّا الطهارة من الحدث الأكبر، فقد ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر لقراءة القرآن، كما ذكر ذلك الترمذي [4] في سننه، حيث قال: (وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن
(1) رواه أبو داود في الطهارة، باب: أيرد السلام وهو يبول رقم [17] 1/ 23، وأخرجه النسائي في الطهارة برقم [38] ، وابن ماجه برقم [350] .
والحديث صحيح كما في صحيح سنن أبي داود رقم [13] 1/ 6.
(2) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب: التيمم في الحضر رقم [337] ص 87، ومسلم في كتاب الحيض، باب: التيمم رقم [369] ص 161.
(3) انظر: كتاب الطهارة لقراءة القرآن للدكتور فيحان المطيري ص 18، 19.
(4) هو: الإمام الحافظ، أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سَوْرة السُّلَمي الضرير، مصنف الجامع، وكتاب ? العلل ? كان يضرب به المثل في الحفظ، مات - رحمه الله - سنة 279 هـ. انظر: طبقات علماء الحديث 2/ 338 - 340.