والثاني: أن هذا القياس غير صحيح أصلًا حتى يمتنع؛ إذ من شرط القياس الصحيح عدمُ فعل الشيء المقيس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا حدثت حادثة لم تقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن المجتهد ينظر في هذه الحادثة ويلحقها بما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادث المشابهة التي جاء فيها نص. فإذا كانت الحادثة الواقعة قد وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا قياس فيها أصلًا؛ وكذلك سجود التلاوة، فإنه قد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسجد وسجد الصحابة معه ولم يأمرهم بالوضوء له، فلا قياس إذن في هذه المسألة والله تعالى أعلم [1] .
4 -وأمَّا أثر الليث؛ فقد أجاب عنه العلماء بأمرين:
الأول: قيل: إنه ضعيف [2] .
والثاني: حمله على الأفضل جمعًا بينه وبين ما ثبت أنه - رضي الله عنه - سجد على غير وضوء.
وأمَّا رواية مَن روى: كان يسجد على وضوء؛ فغلط؛ لأن تبويب البخاري واستدلاله وقوله: (والمشرك ليس على وضوء) يدلُّ على أن الرواية بلفظ ? على غير وضوء ? وعليها أكثر الرواة.
قال ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري: (قوله: ? وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء ? كذا للأكثر، وفي رواية الأصيلي بحذف ? غير ? والأول أولى، فقد روى ابن أبي شيبة [3] من طريق عبيد بن الحسن عن رجل زعم أنه كنفسه عن
(1) انظر: إتحاف أهل الإيمان بأحكام سجود القرآن ص 45، 46، وتهذيب السنن لابن القيم 1/ 55.
(2) تهذيب السنن لابن القيم 1/ 56.
(3) هو: عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة العبسي مولاهم الكوفي، أبو بكر، صاحب ? المسند ? و ? المصنّف ? وغير ذلك. أخذ عنه البخاري ومسلم وغيرهما كثير، قال الخطيب: كان أبو بكر متقنًا حافظًا، صنّف المسند، والأحكام والتفسير. مات - رحمه الله - سنة 235 هـ. انظر: طبقات علماء الحديث 2/ 84، 85.