فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 152

ثم أخذ هذا الخلاف والتفرق، يتدرج شيئًا فشيئًا، ويترقى حينًا بعد حين، إلى أن ظهر في أيام المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية، وكان أول مَن جهر بهذا المذهب هذه الفِرقة، معبد الجهنى الذى أخذ عنه مذهبه غيلان الدمشقى ومَن شاكله، وكان ينكر عليهم مذهبهم هذا مَن بقى من الصحابة كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبى هريرة، وغيرهم., ثم ظهر بعد هؤلاء - وقفى زمن الحسن البصرى بالبصرة - خلاف واصل ابن عطاء في القدر، وفى القول بالمنزلة بين المنزلتين، ومجادلته للحسن البصرى في ذلك، واعتزاله مجلسه، ومن ذلك الوقت ظهرت فرقة المعتزلة. ثم كان من أصحاب الديانات المختلفة كاليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والصابئة .. إلى آخر من تزيا بزى الإسلام وأبطن الكيد له، حنينًا إلى مِلَّتهم الأولى، كعبد الله بن سبأ اليهودى، فأوضعوا خلال المسلمين يبغونهم الفتنة، ويرجون لهم الفُرْقة، فأفلحوا فيما قصدوا إليه من تخرب

المسلمين وتفرقهم. وفى خلال ذلك غلا بعض الطوائف التى ولدها الخلاف، فابتدعوا أقوالًا خرجت بهم عن دائرة الإسلام كالقائلين بالحلول والتناسخ من السبئية، وكالباطنية الذين لا يُعدون من فرق الإسلام، وإنما هو في على دين المجوس. لم يزل الخلاف

يتشعب، والآراء تتفرق، حتى تفرَّق أهل الإسلام وأرباب المقالات والذى اشتهر من هذه الفِرَق خمس: أهل السُّنَّة، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج، وما وراء ذلك من الفرق كالجبرية، والباطنية، والمشبهة، وغيرها، فمعظمها مشتق من هذه الفَرَق الخمس الرئيسية. رأينا كل فِرْقة من هذه الفِرَق تنظر إلى القرآن من خلال عقيدتها، وتُفسِّره بما يتلاءم مع مذهبها، فالمعتزلى يطبق القرآن على

مذهبه في الاختيار، والصفات، والتحسين والتقبيح العقليين .. ويُؤوِّل ما لا يتفق ومذهبه، وكذلك يفعل الشيعى، وكذلك يفعل كل صاحب مذهب حتى يسلم له مذهبه. غير أننا لم نحط علمًا بكل هذه النظرات المذهبية في من كتب التفسير المذهبية إلا القليل النادر بالنسبة لما حُرمت منه المكتبة الإسلامية، على أن هذا القليل ليس إلا لبعض الفِرق دون بعض، وهناك تفسيرات وتأويلات لبعض من آيات القرآن لبعض من الفرق، ولكنها متفرقة مشتتة بين صحائف كتب التفسير خاصة وكتب العلم عامة. وهناك فِرق أخرى لم نظفر لها بتفسير من التفسير، ولهذا أرى أن أتكلم عن التفسير المذهبى لا لكل الفِرَق، بل للفِرق التى ألَّفت وخلَّفت لنا كتبًا في التفسير،

ووقعت تحت أيدينا، فاستطعنا بعد القراءة فيها والنظر إليها أن نحكم عليها بما يتناسب مع المنهج الذى أنتهجه فيها مؤلفوها، والطريق الذى سلكوه في شرحهم لكتاب الله تعالى. [1]

(1) - انظر بتصرف التفسير والمفسرون - د. محمد حسين الذهبى - (ج 4 / ص 80)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت