بتنوين شر, وجعل (ما) نافية, ويقصدون بذلك أنهم يستعيذون برب الفلق, من شر لم يخلقه هو, بل خلقه فاعله, وذلك طبقًا لمذهبهم الاعتزالي"العبد يخلق فعله", ولا شك أن هذا إلحاد في القرآن الكريم, ولذلك يقول صاحب البدع عن هذا التفسير:
"وهذا تحريف آثم يهوى بصاحبه في النار, نسأل الله السلامة والعافية".
ومن أمثلة هذا النوع أيضًا: قراءة (بل متعت هؤلاء وآباءهم)
بفتح التاء, ولقد حاول الزمخشري أن يوجهها توجيهًا صحيحًا فخالفه الصواب, حيث إنها قراءة شاذة, ثم إن توجيهه كان توجيهًا أقل ما يوصف به أنه توجيه باطل, واستمع إلأيه وهو يقول:"فإن قلت ما وجه قراءة من قرأ متعت بفتح التاء؟"
قلت: كأن الله تعالى اعترض على ذاته في قوله تعالى (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون)
فقال: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر, والسعة في الرزق, حتى شغلهم ذلك عن التوحيد, وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم.
وعلى هذه القراءة الشاذة يعلق صاحب البدع فيقول:"القراءة المشار إليها شاذة, وتوجيهها بما ذكره قبيح, وكيف يعترض الله على ذاته؟ وقد أغنانا الله بالقراءة المتواترة المعروفة عن هذا التوجيه الذي هو أقبح من بدع التفاسير."
هذا بالنسبة للنوع الأول, والخاث باستحداث قراءة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما بالنسبة للنوع الثاني: وهو رد القراءة الصحيحة:
فمن أمثلته:
أن بعضهم رد قراءة حمزة - أحد القراء السبعة - لقوله تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) بجر الأرحام، وكان أول من شنع على حمزة أبا العباس المبرد، وسار في ركابه جماعة، منهم ابن عطية زغيره، وهذا الرد منهم مرد ود.
ويكفي في رده أن هذه القراءة ثبتت بطريق التواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كاف في الرد على من ردها، أيا كان أمره، وأيا بلغ قدره في العربية، فالعربية تؤخذ من القرآن الكريم والسنة النبوية المعطرة، فالرسول صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالعربية - وإن كانت ألفاظ القرآن وقراءته لها ليست من تلقاء نفسه، وإنما بتوقيف من الله تعالى.
ثم إن الذي جعلهم يردون هذه القراءة مسايرتهم لمذهب البصريين، في قاعدة العطف، حيث قالوا: إن الضمير المجرور لايعطف عليه إلا بإعادة الجار له، نحو مررت بك وبزيد، ولا يجوز مررت بك وزيد، ولكن هذا ليس محل اتفاق بين النحاة، فقد أجاز الكوفيون مثل هذا العطف. ونظرا لوروده في النثر والنظم فقد مال إليه ابن مالك حيث يقول:
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا