قال تعالى في السورة المكية: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 51، 52] .
وإذا كان كذلك فالجهاد أصله ليكون الدين كله لله، بحيث تكون عبادته وحده هو الدين الظاهر، وتكون عبادة ما سواه مقهورًا مكتومًا أو باطلًا معدومًا، كما قال تعالى في المنافقين وأهل الذمة، إذ كان لا يمكن الجهاد حتى تصلح جميع القلوب، فإن هدى القلوب إنما هو بيد الله، وإنما يمكن حتى يكون الدين الظاهر دين الله، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [سورة التوبة: 33] ، ومعلوم أن أعظم الأضداد لدين الله هو الشرك، فجهاد المشركين من أعظم الجهاد كما كان جهاد السابقين الأولين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» . وكلمة الله إما أن يراد بها كلمة معينة وهي التوحيد لا إله إلا الله فيكون هذا من (نمط) [1] الآية، وإما أن يراد بها الجنس، أن يكون ما يقوله الله ورسوله هو الأعلى على كل قول، وذلك هو الكتاب ثم السنة، فمن كان يقول بما قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه فهو القائم بكلمة الله، ومن قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول فهو الذي يستحق الجهاد.
وهذا المعترض وأمثاله قد خالفوا قول الله ورسوله وسائر أئمة المسلمين فإنهم متفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» . وإن شد الرحال لزيارة القبور داخل في ذلك إما بطريق العموم اللفظي -كدخول المساجد- وإما بطريق الفحوى وتنبيه الخطاب. فإنه إذا كان السفر إلى المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله عز وجل غير مشروع، فما دونها أولى أن لا يكون مشروعًا.
(1) المثبت من (س) (ز) وفي (هـ) : نظم.