فإذا قال القائل: لا يجوز التوكل إلا على الله وحده ولا العبادة إلا لله وحده، ولا يتقى ويخشى إلا الله وحده -لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم- كان هذا تحقيقًا للتوحيد، ولم يكن هذا سبًّا لهم ولا تنقصًا بهم ولا عيبًا لهم، وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية فنقص المخلوق عن الخالق من لوازم كل مخلوق يمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق، والملائكة والأنبياء كلهم عباد لله يعبدونه، كما قال تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [سورة النساء: 172] .
وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 26 - 29] ، فإذا نفى عن مخلوق -ملك أو نبي أو غيرهما- (شيء) [1] من خصائص الربوبية، وبين أنه عبدُ الله، كان هذا حقًّا واجب القبول، وكان إثباته من إطراء المخلوق، فإن رفعه عن ذلك كان عاصيًا بل مشركًا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله» . والله تعالى قد وصفه بالعبودية حين أرسله وحين تحدى وحين أسرى به، فقال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [سورة الجن: 19] ، وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [سورة البقرة: 23] ، وقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} ، وأهل الباطل يقولون لمن وصفهم بالعبودية إنه عابهم وسبهم ونحو ذلك، كما ذكر طائفة من المفسرين أن وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب
(1) المثبت من (ز) (هـ) وفي (س) : ما كان.