فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 215

والبخاري رحمه الله من أكثر الناس احتياطًا في ذلك وقد يترك شيئا من الألفاظ وينبه على تركه, ومسلم أيضا يفعل هذا ويكون [أو يقول: لم تتضح الكلمة لدي 12:50] ذكر حرفًا أو ذكر لفظة لم يذكرها غيره وأشباه هذه العبارات.

ثم بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الناس في هذا الباب طرفان, فطرف من أهل الكلام ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف ويشك في صحة الأحاديث مع كونها معلومة مقطوعة, ويقابل هؤلاء طرف ممن يدعي إتباع الحديث كلما وجد لفظًا في حديث رواه ثقة بإسناد ظاهره الصحة جعله من جنس المجزوم به, فمن الأول رد من رد من المتقدمين والمتأخرين حديث: فقأ موسى عليه الصلاة والسلام عين ملك الموت. المروي في الصحيح, فإن عامة من تكلم فيه إنما هم من أهل الكلام والرأي ممن ينفي بعقله في الأخبار, فهؤلاء تلكؤا في قبول هذا الخبر وشكوا في صحتها مع كونه مقطوعًا به, قد تلقته الأمة بالقبول فهو مخرّجٌ في الصحيح, ويقابل هؤلاء من يأتي إلى أحاديث تخالف الأحاديث الصحيحة بأسانيد يمكن تمشيتها لكنهم لا ينظرون إلى ما يكون في المتن من معارضة الأحاديث الصحيحة, كما صحح بعضهم حديث أنس الذي رواه تَمام الرازي في (( الفوائد ) )وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تلعنوا الشيطان. وفي لفظ: لا تسبوا الشيطان. فإن هذا الحديث ظاهره النُّكرة في لفظه, إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الشيطان الذي عرض له في الصلاة في الصحيح: بشهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألعنك بلعنة الله. إسناده حديث أنس لا يحتمل التصديق, فكيف وقد انطوى على نكرة في متنه! على أنه لو صح أمكن الجمع, لكن هذه ليست طريقة حذاق المحدثين, وإنما هي طريقة الفقهاء الذين يصححون خبرًا محتملا ثم يهرعون إلى الجمع بين الأخبار الواردة, وأما الحذاق من المحدثين فإنهم لا يعولون على مثل هذه الأخبار, بل لا يصححون مثلها, لأن الخبير إذا خرج أصول الإسلام فعليه السلام, كما قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: إذا رأيت الحديث يفارق الأصول ويباين المعقول, فعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت