الشعراء, وقوله: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} يعني لمحاط بنا, لأن الله قال في أولها: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} [الشعراء/61] , فأشار إلى حصول الرؤية بينهما, مما دل على معنى آخر, غير معنى الرؤية, والمراد به الإحاطة, فإذا أراد صاحب هوى أن يُسلط هواه على القرآن ليخرجه عن معنى الذي وضع له, فأنه لا يتمكن من ذلك, بل من كمال القرآن أنه لا يأتي مبطل ببناء باطله على دليل من القرآن, إلا وفي ذلك كالدليل من ينقض باطله, عَقله من عَقله, وجهله من جهله, وأشار إلى هذا المعنى الإمام مالك رحمه الله تعالى, ثم وسّعة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه, وهذه قاعدةٌ نافعةٌ في نقض الباطل, وأن الباطل إذا أُورد ينبغي أن يوجه النظر أولًا إلى دليل المستدل على باطله, فإن الدليل الشرعي لا يدل على باطل أبدا, ولابد أن يكون في ذلك الدليل ما ينقض هذا الباطل المُدعى.
ثم بين أن من أوصاف القرآن (عدمُ التباس الأسنة به) : أي عدم اختلاطها؛ فيجعل الله سبحانه وتعالى مكنةً للخلق عجميهم وعربيهم على قراءة القرآن الكريم بالنسق العربي واللسان العربي الفصيح. (ولا يخلق من كثرة الترديد) أي لا يبلى من كثرة إعادته, بل لا تزيده الإعادةُ إلا جمالا, وإذا كان الشاعر يقول في وصف البخاري:
قالو المكرر فيهِ ... قلتُ المكرر أحلى
فإن هذا في كلام الله أولى وأولى, فما تكرر في القرآن الكريم فإنه يزيدُه جمالًا وكمالًا وحلاوةً وطلاوةً, وانظر إلى قوله في مواضع كثيرة من سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن/13] , فأن تَكرار هذه الآية, مرةً بعد مرة, لا يزيد هذه السورةَ إلا حلاوة وطلاوة, وكُلما كرر القارئ القرآن الكريم, زادت هذه الحلاوة في لسانه ووجد لها مذاقًا في قلبه.
(ولا تنقضي عجائب القرآن) ولا تفنى ذخائره بل لا تزال معانيه تظهر لمن يفتح الله سبحانه وتعالى عليه, وظهور هذه المعاني لا يراد به حدوثُ فهمٍ جديدٍ لم يكن من فهمي من مضى من أهل العلم, وأنما المراد به أن يجد المستنبطُ في القرآن الكريم